ثقافة

” فنانة تتربع على عرش التصوف الروحي في لوحاتها التشكيلية”

الفنانة التشكيلية "كباسي رميساء"

بوتري: رقية لحمر

على دف اللوحات اعتلت لمسة تشبه الضجيج كما الهدوء، بجميع نتوءات الحياة وتعرجاتها وذوبانها، وحيث تحرك ريشتها التي تتعاطي مع نوطات الموسيقى “بسيريالية” الحياة، تضعك في حيز الانتماء والاانتماء، في الفضيلة والخيبة الجمالية، في المتوقع ودائرة غير المتوقع، لتصهر التراث والدين والإنسانية والعوالم الداخلية الدفينة لتنبض روح اللوحة، من عاصمة الأوراس تلوح بفنها كأسطورة خرافية، الفنانة “رميساء كباسي” التي تلمح من خلال رسوماتها الكثير من الأحلام التي تسكن داخل ألواحها بطريقة مثيرة للدهشة.

فخلال نزولها ضيفة على جريدة الاوراس نيوز، ارتحلت بنا الفنانة رميساء إلى مختلف التعرجات التي كانت جزء من توليفة اللوحات التي أنجزتها، ولم تكن لتخرج من دائر المتعارف عليه فطريا أن الموهبة فطرة في حياة هذا الكائن الفني البشري، فأولى لوحاتها كانت منذ نعومة أظافرها في خطوتها الأولى إلى المدرسة، أين ترائى لها عالم من الأشياء والحيوان أعادت رسمها، متأثرة بابن خالها الذي كان فنانا ايضا، ومسارها لم يتوقف بل أعلنت أن يكون داخل كينونة “المستمر” أين تعدت رسم الطبيعة إلى رسم البورتريهات حول أحد أعلام الجزائر.

وعن مصدر الهامها وشغفها الذي تدفقا كما الألوان المبعثرة حولها تقول الفنانة رميساء: ” فى بداياتى من كان يلهمنى هو والدي أولا بسبب مرضه أصابنى ما يسمى “فوبيا الفقد”…وهذا الخوف جعلنى اشتاق له رغم وجوده معنا، أتوق كي أحدثه ولكن فور لقائى به أخشى أن أفعل وكل هذه المتناقضات جعلتنى أرسم الزمن والعمر والموت لأن أبى كان بمثابة الحاضر الغائب..الذى أوقر صمته وأرغب فى اختراقه فى آن واحد، ببساطة هو سر غامض وعميق اتذكر أني رسمته عدة مرات وكأن الذاكرة تلح علي كى أخلق له حضور أبدي،  ولأجل الانصاف أقول أن مكانة أمي هى بمثابة السهل الممتنع كما أنها سند روحى بالنسبة لي وبفضلها أكملت رسالة التخرج”.

 

الفن الذي يدعونا للانسياق عبر محيطه رحلة أخرى نحو “التعاطي”

تذكر رميساء جيدا خلال رجوع الذاكرة إلى ذلك المكان والزمان، تواجدها بدار الثقافة بباتنة يوم كانت في مرحلة البكلوريا، تذكر جيدا أنها دخلت في محيط الفن بعدما التقت وجها لوجه مع ألواح احدى الفنانات اللواتي كن يعرضن ألوانهن وحيواتهن في مزيج متناغم من الألوان، كانت بالنسبة لها لحظة من التوق لهذا العالم، لحظة سرقة رميساء عالمها الدراسي لتدخل معترك الفنون التشكيلية، أين تخصصت في فن المنمنمات، لكن الرحلة لم تكن كما تتوقع أبدا، ففي الاخير البيروقراطية كانت نقطة حاسمة للتخلى عن هذا الطموح، إلى طموح أعلى يقين، أين استطاعت أن تنال شهادة البكالوريا وتلتحق بالمسار الأكاديمي كتزواج بينه وبين التطبيقي، كما حصلت على شهادة الدكتوراء في هذا لفن الذي عدها ابنة له بالتبني منذ البداية.

واعتزمت رميساء أن يكون فنها موجها للمدرسة السيريالية، هذه المدرسة من الفن التي تدرس حياة الفقد والفقر الخيال واللاوعي، الحلم والعوالم التي نستطيع البوح عنها، أين تمزج الأشياء الواقعية بعوالم غير واقعية، وتقول رميساء أنها كانت متأثرة بأعمال الفنان التشكيلي العالمي “سالفدور دالي” والذي يعد حسبها من أكثر الفنانين الذين تأثرت بهم، والذي عبر عن ألواحه متوجها من العوالم الإنسانية إلى العوالم الروحية، إلى جانب الفنان “فان غوخ” الذي يعمل على تمثيل أشكال العنف بطريقة صوفية وبتيار جديد يجمع فيه بين جماليات القبح”.

وبالعودة إلى بداية تبينها هذه النوع الفني تضيف رميساء: “أول بدايات أي فنان تكون من خلال اللجوء إلى رسم الطبيعة، مثلا رسم شجرة مائلة تعبر عن شيء ما، وكأنها ترمز إلى عوالم اللاوعي التي تأتي صدفة، وبالنسبة لي فعند رسم أي شيء أحبذ أن أجسده بحركات جسدية تعيد تشكيلة تلك الصورة، وإعطاء صور بصرية أخرى فيما يسمى “الخلق الفني”، لكن احب التوجه للسريالية هذا العالم الذي لا يهدأ أبدا”.

 

التكرار يفقد الفن أصالته والجانب الأكاديمي مؤسس على فلسفة

وعرجت ذات المتحدثة على أن تقليد الأعمال الفنية يفقدها مبدأ الأصالة، فالبورتري الذي يقدمه العديد من الفنانين بطريقة مشابهة لا يخلق أي انبهار، بقدر من يضفيه عند اضافة شيء ما وخلق فكرة جديدة داخل العمل الفني القديم، حيث أن الفنان مارشال قدم الموناليزا بصورة أخرى ووضع لها شاربان، فهنا حسبها تكمن فكرة التكرار الملتصق بفكر جديد، وأشارت أن الجانب الأكاديمي مؤسس على فلسفة تعتمد على مرجعيات تراثية وتاريخية، كما يكسبها متعة جمالية كما الخيبة الجمالية، “النظري دائما ما يعطيك شعورا مختلفا، تزاوجا رهيبا والغوص في العصور واللوحات بطريقة نظرية جد مهمة وهو ما تعرفت عليه من خلال توجهي الأكاديمي، بعد رحلة ثلاث سنوات في التطبيقي لم تزهر بشيء سوى “التهميش” الذي طال الفنان خاصة في معهد الفنون التشكيلية بباتنة وهو داخل محيطه، كانت تجربة جد قاسية غير أنه وبعد تحصلي على شهادة الدكتوراه درست في هذا المعهد لإثبات الذات فقط،، الفنان في الأخير خلق ليعاني في الجزائر على حساب الوساطة”، تضيف الفنانة.

 

20 عمل فني وأسطورة إلياذة الجزائر “العبقرية الفنية” في مخاض العصور

تقول ميساء أن نصف أعمالها غير مكتملة، ولكنني في الحقيقة أرى أن الأعمال غير المكتملة تعطي جمالية أخرى وبعدا فنيا آخر، هكذا استرسلنا حوارنا عن الأعمال التي قدمتها الفنانة وكانت محطة اهتمامها على أنها لم تخرج من السريالية بل انطلقت نحو مرحلة أخرى فيها ألا وهي “التصوف” في الفن التشكيلي، وأفادت ان اعادة ابداع اللوحة يكون من خلال الحياة القابعة في روح الفنان الداخلية، وبالنسبة لها فألواحها تعبر عن  الصمت الدفين، عن الانهزام، والغربة بينها وبين نفسها، ذلك العالم الذي لا يتم الوصول إليه إلا بخيال من العظمة الفنية، وهو ما عبرت عنه  لوحاتها ونحن نشاهد تلك الفسيفساء من المشاعر المختلطة، منتهجة بذلك الفلسفة الشخصانية، فكما قال علي بن أبو طالب: ” وتحسب أنك جـِرمٌ صغير ..وفيك انطوى العالم الأكبر”، وهي الطريقة التي عبرت فيها عما يختلجها من عوالم فنية دفنية.

وعن لوحة “أسطورة الجزائر” وهي الفكرة التي أعطت من خلالها صورة للجزائر عبر مر العصور، تقول الفنانة رميساء: ” جاءت الفكرة لما سمعت مقطعا تسجيليا لإلياذة الجزائر لألف بيت شعري مع موسيقى ثورية، أعطت لي عوالم وصور لا نهاية لها، وكانت الانطلاقة في البحث عن تاريخ الجزائر والعصور من خلال قراءة التاريخ والاقتباس من بعض اللوحات  على غرار ماسينسيا، ويوغرطا، التراث، اللباس، النظرة الاستشرافية، من العصر النوميدي، فمعالم والآثار التي تزخر بها الجزائر، إلى الفتوحات الإسلامية، والعهد الحديث من حادثة المروحة، إلى رموز الدولة الجزائرية”،  وغيرها من الفسيفساء التي حملتها اللوحة، بإعجاز فني مبهر لصاحبة 29 عاما، التي وخلال حديثها قالت أنها اعتمدت على دقة متناهية من الصغر 60/55 ، على أن العملاق محمد راسم أيضا كان من الذين أعطوا بصمة لهم في عالمها الفني.وعن البورتري فهي لا تعد نفسها ضمن هذا النوع على الرغم من أنها قدمت بعض الأعمال فيه، واعتبرته مرحلة تعلم فقط كما في الطبيعة الصامتة.

وفي ذات الصد د وخلال سؤالنا عن المشاركات التي قدمتها خلال مسيرتها الفنية، أفادت على أنها قليلة ذكرت بعضا منها على غرار مهرجان ثقافي دولي للمنمنمات بتلمسان والجزائر وقسنطينة، ندوة لواقع الفنون بالجامعة، وكذا الصالون الوطني للفنون الاسلامية ومعرض شخصي واحد بدار الثقافة بباتنة، والذي اعتبرته تجربة جد محبطة لكون الفن التشكيلي لا يحظى بمكانته فقلة هم من يستوعبونه، إنه أشبه بخيبة بالنسبة لها ألا يحاط الفنان لمن يرسم لهم بجمهوره ونقاده، وهو الأمر السلبي الذي لا تزال الجزائر تعيش فيه، وحكت تجربتين أثرت عليها أولهما أنها وخلال مشاركتها في إحدى الورشات وبعد الطلب الذي قدمته من أجل أن تقدم ورشة لأعمالها، تم رفض طلبها في ممارسة تعسفية لأن الأجانب فقط من يحق لهم أن يقدموا أعمالهم، غير أن للقدر كلام آخر فبعد مشاهدة الأجانب للألواح طلبت منها فنانة تشكيلة وتركية وفنان هندي أن تتكرم بتقديم ورشة لأعمالها، وتم شراء لوحة بملغ رمزي وهو ما أثر فيها كثيرا لتكون فنانة جديرة بالفن التشكيلي، وعن التجربة الثانية عندما أرادت أن تستعل صوتها الشجي في تلاوة القران وباعتبارها مهتمة بكل تفاصيل الجمال غير أنها وضعت جميع العوائق في طريقها ووجوب التزامها بالحجاب الشرعي، متسائلة إذا ما كان الفن ضد الدين على أنها تعتبر الفن يكون أيضا في خدمة الدين.

 

الموسيقى والتصوف في الفن التشكيلي تجربة روحانية فريدة من نوعها

واعتبرت الفنانة والدكتورة رميساء أن التصوف والموسيقى يخدم الفن التشكيلي بطريقة عجيبة ويحمله إلى ملكوت آخر من العشق والحب الإلهي، وأوضحت أنها ستعمل خلال مذكرتها على دراسة هذه الثنائية من خلال تقديم مذكرة تخرج تحت عنوان “البعد الروحي والصوفي في الفن التشكيلي”، كما تعمل على اصدار كتب تتناول هذا الفن نظرا لعدم ثراء المكتبة الجزائرية بكتب في مثل هذا النوع، على أن تكون فنانة كونية وعالمية وأن تخترق لوحاتها كل الأزمنة والأمكنة، فالفن في الجزائر حسبها يمارس عليه “التهميش” وعدم التحفيز، بل وكسر الفنان الذي يتمتع بتجربة موهبة جديدة، مختتمة حديثها أن الفن التشكيلي يحمل أبعادا روحية مذهلة، وأن التجربة في الفن التشكيلي جعلها تغوص في عوالم أخرى دائما ما تعطي إنسانا آخر يفكر بعمق وببعد فني عندما تكون رسالته تتجاوز الواقع وتعمل على ترسيخ الأخلاق المثالية داخل الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق