ملفات

فنانون ساخطون عن الوضع يصرحون: “المهازل بلغت أشدها في رمضان واليوتوبرز لا علاقة لهم بالتمثيل”

تصريحات نارية تصاحب البرامج الرمضانية في الجزائر

إعداد/ فوزية قربع

اشتد الصراع واحتدم وبلغ ذروته في البرامج التلفزيونية التي بثت طيلة شهر رمضان الجاري والذي سنودعه بعد أيام قليلة جدا، وبعد حذف برامج تلفزيونية وتوجيه إنذارات عديدة لمختلف القنوات الخاصة، أفرزت نتيجة اختيار بعض الأعمال للعرض استهجانا واستياء واسعا لدى المشاهد الجزائري الذي ينتظر هذا الشهر الفضيل لمتابعة الأنشطة والبرامج التلفزيونية المنتقاة بعناية كبيرة والتي تحاول أحيانا رسم البسمة على محياه وفي أحيان أخرى تدهشه بمستوى الأعمال المعروضة.

وبعد المسلسل التلفزيوني الذي بث خلال شهر رمضان للعام الماضي “أولاد الحلال”، والذي كسر قاعدة المركزية التي استولت طيلة سنوات على الدراما الجزائرية وكشف عن التنوع اللغوي والاجتماعي في الجزائر وخلق آمالا كبيرة لفنانين في مختلف مناطق الجزائر بالمشاركة في أعمال تلفزيونية وسينمائية مستقبلا كما تمكن من تغيير نمط المسلسلات الجزائرية التقليدية وخلق نوعا من الدراما الجديدة التي تعتمد على الصورة والأداء والديكور البسيط واعتماد سيناريو واقعي يصور الحياة الاجتماعية الجزائرية، بعد كل هذه الجهود والطموحات والآمال في تغيير وجه الدراما الجزائرية، عادت مجددا مركزية الأداء والاحتكار التي منعت التغيير المنشود ولو في الأعمال التلفزيونية المعروضة من خلال تراجع الأداء وتدهور النص الذي أفرز عن مشاهد ولقطات غير متناسقة، فضلا عن العشوائية التي غلبت على بعض الحوارات والتي تحتاج لانسجام أكثر من مجرد حفظ النص، ما خلف سخرية واسعة وسط رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين دعوا لمقاطعة هذه الأعمال وطالبوا بضرورة تطوير العمل التلفزي الجزائري الذي لم يراوح مكانه منذ تسعينات القرن الماضي.

من جهة أخرى، عبر ممثلون ومخرجون ونقاد عن تذمرهم جراء التراجع الذي تعرفه الدراما الجزائرية وشددوا على أهمية تطوير النص والسيناريو والعمل على توظيف ممثلين محترفين أو خريجي المعاهد الدرامية والمسارح الجهوية بدل الاعتماد على الإعلاميين واليوتوبيرز وعارضي الأزياء والمغنيين والذين لن يتمكنوا من تجسيد الأدوار بكامل التقنيات والشروط اللازمة مع العمل على تخصيص ميزانيات ضخمة للإنتاج والاهتمام بمجال السمعي البصري في الجزائر وتقديم الدعم للمنتجين والقضاء على المركزية والاحتكار والبيروقراطية في هذا المجال.

توفيق بخوش ممثل ومخرج:

“أنا ضد الكاميرا الخفية التي تسوق للعنف والميزانية عائق لتطوير الدراما الجزائرية”

تأسف الممثل والمخرج المسرحي، توفيق بخوش، من مستوى البرامج المعروضة خلال هذا الشهر عبر القنوات الجزائرية، وأرجع ذلك إلى ظهور وباء كورونا الذي حصر الانتاج في الجزائر والعالم ككل من خلال توقيفه لجميع الأعمال التي كانت لتكون الأفضل والتي تجهز للعرض خلال هذا الشهر من بينها مسلسل “مشاعر” وأعمال عربية أخرى متنوعة ما أدى لغياب المنافسة الجدية.

وقال في السياق ذاته، “الجزائر حاليا تعاني من الأفكار الضعيفة غير المدروسة بما فيها فكرة معظم البرامج التي لا تأخذ بعين الاعتبار اهتمام المتلقي الجزائري”، وأضاف، “سيناريوهات المسلسلات لا ترقى هي الأخرى لمستوى المشاهد الذكي والمتذوق الذي يختار بعناية ما يود متابعته، فضلا عن غياب الوجوه الفنية عن الساحة، كما يوجد بعض التقصير في الكتابة والتمثيل، بالرغم من أن الممثلين يبذلون جهدا في ظل غياب عدة شروط في الإنتاج من بينها الديكور والوسائل التقنية وغيرها”.

ولنجاح الأعمال التلفزيونية، يقول توفيق بخوش، أن الاهتمام بالقضايا الراهنة ومعالجتها مع إثارة عواطف المشاهد هما عاملا النجاح مع الاعتماد على سيناريو قوي وانتقائه بصرامة وجدية، بدل الاعتماد على سيناريو ضعيف يفتح المجال لشباب الانستغرام والفايسبوك للتمثيل والظهور على حساب التلفزيون الجزائري والسينما الجزائرية التي وصلت لمستوى جيد في وقت ما، حيث قال أن اختيار هؤلاء الممثلين ليس معيارا، فالممثل المتكون مختلف تماما عن الممثل الهاوي الذي يفتقر لعدة ميكانيزمات وشروط.

وعن مستوى برامج الكاميرا الخفية قال توفيق أنها أصبحت تزعج المشاهد فقط، خاصة أولئك الذين يتعرضون لهذه المقالب، وقال أنها شيء مخز ويفسد صورة الضيف لدى المتلقي، حيث تهدف الكاميرا الخفية إلى توجيه رسالة ما أو تقديم ارشادات أو نصائح معينة، وصرح، “أنا ضد الكاميرا الخفية التي تسوق للعنف وتجعل المشاهدين يستهزؤون بشخص ما”.

وعن إقصاء الكفاءات الفنية من التمثيل في عديد الأعمال التلفزيونية قال بخوش، “هناك أسماء ثقيلة تشارك في هذه المسلسلات ولكن ليست بكثيرة، وذلك بسبب التنقل للعاصمة ومشاكل المبيت وغيرها في ظل نقص الميزانية المخصصة لهذه الأعمال، كما أن الممثلين في الولايات الشرقية لا يعلمون بالكاستينغ الذي يقوم بانتقاء المشاركين بسبب بعد المسافة وكذا اللهجة المختلفة التي تبرز في أي عمل تلفزيوني، ودعا المخرجين والمنتجين للالتفات للطاقات الإبداعية في الشرق الجزائري والجنوب أيضا وأن يتم فتح المجال للجميع لتطوير الأعمال التلفزيونية والسينمائية.

وفي حديثه للأوراس نيوز، أكد توفيق بخوش أن ولاية باتنة تحمل بين ثناياها كتابا كبارا أمثال العربي بولبينة وسوهالي سليم ومسعود حجيرة وغيرهم، كما أنها تملك طاقات فنية جبارة من مخرجين ومصورين ومختصي إضاءة وصوت وديكور وغيرهم والذين لم تتح لهم الإمكانيات اللازمة لتقديم إنتاج تلفزيوني أو سينمائي يعبر عن المنطقة وثراها الإبداعي، كما كشف عن تحضيرات حثيثة لعمل تلفزيوني سيتم تصويره بعد نهاية جائحة كورونا والذي يعرف مشاركة مميزة لعديد الفنانين الشباب من باتنة، في حين يبقى الدعم المادي هو العائق الوحيد للإبداع في الولاية لإنتاج مثل هذه الأعمال السمعية البصرية.

عبد الرؤوف دزيري ممثل مسرحي:

“الجهوية أقصت فناني الشرق ومعظم الأعمال تنتج بالعاصمة”

 قال الممثل المسرحي عبد الرؤوف دزيري حول تقييمه للأعمال التلفزيونية المعروضة طيلة هذا الشهر أنها ضعيفة المستوى، ولا ترقى لأن تسمى بالأعمال الفنية خاصة في ظل استياء كبير من قبل الجمهور الذي وصفها بالمهازل، وقال “وصل الأمر بالجمهور لكشف بريكولاج بعض الفنانين ونحن هنا في مرحلة خطر فنية كبيرة”، كما تطرق لمشكلة السيناريو والأداء وقال “المشكل ليس في السيناريو ولا يكمن في القصة وإنما في من يؤدي هذه القصة، في الاحساس الصادق للمؤدي والغائب تماما، فالممثلون عبارة عن آلات تتكلم منوتونيا وكلهم حفظوا النص عن ظهر قلب كأنهم يقرؤونه” كما أضاف، “الممثل الحقيقي يخلق روحا في الحوار ويعيش الدور ويمتع الجمهور ويترك المتابع يتضامن معه ويقنع كل من يشاهده”.

وتابع قائلا: “القنوات التلفزيونية تقوم بعملية البريكولاج وأنا شخصيا لن أحترم مخرجا أو منتجا أو ممثلا يستهزئ بالجمهور، لأننا نخبة المجتمع ومن واجبنا احترام هذا الجمهور المتعطش للفن”.

وعن اختيار الممثلين خلال هذه الأعمال، صرح دزيري، “المتعارف عليه في أعراف الفن أن المخرج هو من يقوم بانتقاء الممثلين بفتح كاستينغ وطني لاختيارهم، لكن هذا العرف لم يعد يعمل به لأن المنتج أصبح له دور في هذا، من خلال فرض خياراته في العمل لأسباب عديدة، فضلا عن المخرج الذي لا يحترم جمهوره أيضا حيث يقوم بمنح الأدوار الأولى لبطلات وأبطال اليوتيوب والانستغرام، وأنا ضد كل ما يسمى بنجوم اليوتيب ونجوم الأزياء لتقمصهم أدوارا لا تليق بهم ولا يليقون بها ولن ينجحوا في خلق شخصيات يمتعون بها الجمهور، فالتمثيل ليس قراءة السيناريو وإنما طريقة أداء صحيحة بروح الشخصية”.

وعن اقصاء فناني الشرق يقول عبد الرؤوف، أن هذا الاقصاء ناجم عن جهوية مقيتة مضيفا أن “التكوين الذي تلقاه معظم الممثلين في الشرق هو التكوين على التمثيل الطبيعي والمدارس الواقعية في هذا الفن، وبالنظر إلى ماهي عليه مدارس التمثيل بالغرب والوسط، أظن أن الجهوية مازالت تتمحور في قلب الانتاجات الوطنية ومعظم الأعمال الرمضانية تنتج بقلب العاصمة وإن لم تكن عاصميا أو قريبا من العاصمة فليس لك الحظ في إظهار نفسك كممثل للأسف، ويتم الاعتماد أيضا على اليوتيبار وعارضات الأزياء وأيضا على مشاهير الانستغرام الذين يظنون أن العمل التلفزيوني هو تهريج والقاء للسيناريو فقط، والخطأ الأكبر من المخرجين والمنتجين الذين قاموا بفتح المجال لهم.”

عصام تاعشيت مخرج وممثل مسرحي:

“لا توجد رقابة على السيناريو ويتم اختيار الأضعف لتجنب التكاليف”

عصام تاعشيت الممثل المسرحي والمخرج الذي شرف الجزائر بعدة جوائز دولية، عبر عن تذمره جراء تراجع مستوى البرامج والأعمال التلفزيونية لهذا العام وقال في حديثه ليومية “الأوراس نيوز”، “البرامج الرمضانية تزداد رداءة في السنوات الأخيرة، بعدما كان هناك برنامج أو اثنين كانوا يمتعون المشاهد على غرار ما قدمه جعفر قاسم الذي كان يغطي ثغرات البرامج الأخرى ولا ننسى مسلسل أولاد الحلال أيضا، أما هذا العام فهو كارثي  جدا بالرغم من تزامنه واجراءات الحجر التي تجبر المشاهد على متابعة برامج جيدة لكن للأسف خاب ظن الجميع”، وعن أسباب هذا التراجع يضيف عصام “الكوكبة كلها مشاركة في هذا الأمر بداية بالمنتجين الذين لا يهمهم الشيء المقدم بقدر ما تهمهم القدرة المالية المنخفضة، إلى جانب المخرجين الذين لا يبالون بقدرات الممثلين وكذلك الممثلين الذي أصبح همهم المال أكثر من المواضيع التي تعالج في هذه البرامج”.

وعن إقصاء الكفاءات وخريجي المسرح والمعاهد الدرامية قال تاعشيت: “هذا الشيء يحصل في جميع أنحاء العالم باختيار الشكل والأشخاص الذين لديهم متتبعين كثر لكن في العالم يقومون بتدريبهم وتكوينهم من خلال جلب اخصائيين لتقوية أدائهم، أما في الجزائر فيكتفون بالمظهر الخارجي، في حين يبقى الممثلون الاكفاء يحافظون على مبادئهم ولا يستطيعون العمل من أجل العمل فقط، وبالنسبة للمنتجين هذا الأمر متعب ولا يمكنهم خوضه لأنه مكلف أيضا، فالأشخاص الأكفاء يتعبون مع تحليل الشخصيات ومحاولة تحسين السيناريو إن أمكن فيصبح هذا عائقا على الآخرين، لذلك يستغنون عنهم”.

ويتحدث عصام أيضا عن إشكالية النص والسيناريو حيث يؤكد أن “السناريو لا توجد عليه أي رقابة”، “فهو بداية الإبداع حيث يتم اختيار الأقل تكلفة إلى غاية الوصول إلى الممثل ضعيف الشخصية أو الأقل تكلفة ايضا”، وهذا ما أدى إلى تراجع مستوى الأعمال التلفزيونية، فضلا عن الجهوية التي طبعت في كثير من الأعمال وأصبح توزيع الأدوار يتم عبر رسائل المسنجر، حيث يقوم الأشخاص الذين تربطهم علاقة بالمنتج بالاتصال بأصدقائهم من المخرج الدائم والمخرج يتصل بممثلين أصدقاء يعملون مع بعضهم البعض وهكذا.. وبالتالي لم نرى مشاهد جديدة ولم نرى مبدعين جدد ولم نشاهد تقدم في الأعمال التي أصبحت محتكرة على عدة اشخاص وفقط.

وتساءل عصام عن دور شركات الانتاج بالشرق التي وجب عليها الاهتمام بفناني المنطقة، خاصة أن العديد منهم شرفوا الجزائر في المحافل الدولية، فضلا عن سكان الجنوب الذين لم تكن لهم أيضا فرصة للظهور والبروز بالرغم من الامكانيات التي يحوزونها، وقال أن الدعم المادي يلعب دورا هاما في الانتاج، ولعل غياب ثقافة التمويل من قبل الخواص أدت هي الأخرى لمحاصرة الابداع الفكري والأدبي وحتى السينمائي في الشرق والجزائر ككل.

ف.ق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق