ثقافة

فنانو الأغنية التراثية يعانون التهميش وروادها يعيشون في طي النسيان

في اليوم الوطني للفنان

أحيت الجزائر أمس اليوم الوطني للفنان المصادف لتاريخ الثامن جوان من كل عام، بهدف التحسيس بأهمية دور الفنان في الحياة اليومية باعتباره يحمل رسالة فنية هادفة يحفظ بها قيم المجتمع ويعالج ظواهر اجتماعية ويؤرخ لمحطات تاريخية بارزة، حيث تقام الإحتفالات في جميع ولايات الوطن وارتباطها بالفقيد الفنان علي معاشي من خلال تنظيم عديد النشاطات والتكريمات، إلا أن الواقع اليومي للفنان بمنطقة الأوراس لا يعكس حقيقة هذا الإهتمام حيث يعاني من إقصاء شبه كلي من مختلف الأنشطة واهتمامات السلطات المحلية والحركة الجمعوية. وهو حال الكثير من الفنانين المعروفين بولايات الأوراس الكبير، الذين قدموا مجهودات كبيرة لعقود من الزمن في الحفاظ على الذاكرة الشعبية وتراثها الثقافي العريق، ويعتبرون من عملاقة الأغنية الأوراسية الذين صدحوا بأصواتهم  من جبال الأوراس فتغنوا بألحانها المتفردة وأرخوا لبطولات مجاهدي المنطقة، وحرصوا على الحفاظ على الذاكرة الشعبية، فكان مرجعا للكثير من الباحثين في الثقافة الأوراسية، ولهم الفضل الكبير في وصول قصائد وروائع الأغنية الوطنية التراثية الأوراسية للأجيال طالما صنعت حماس مجاهدي الثورة التحريرية وأرخت لكفاهم المسلح، وبعد أكثر من نصف قرن  لازالت تصنع أفراح الشاوية من خلال أهازيج أمهاتنا  وأشعار آبائنا في ألحان تقشعر لها الأبدان في لحظة خالدة تنقلنا نغماتها وكلماتها عبر شريط الذكريات إلى بطولات خالدة لشهدائنا الأبرار، ملاحم وطنية في حد ذاتها نظرا لميزاتها وخصائصها الفنية بأبعادها الإجتماعية والتاريخية فكانت قصيدة كل الجزائريين جمعت بين اللغة الشاوية والعامية ليصل محتواها ويصدح بها كل الثوار الذين اتخذوا الأوراس معقلا للثورة التحريرية وقلعة للبطولات الخالدة، تعود اليوم المناسبة الوطنية لعيد الفنان ونحن لم نولي الإهتمام اللازم برواد تراثنا الثقافي الشعبي العريق الذين كانوا المؤرخ والباحث والحافظ لذاكرة أمة كاملة.

حيث يعاني الفنان بمنطقة الاوراس ممن عرفوا بأدائهم الأغاني الفولكلورية من مشاكل اجتماعية كثيرة، حتى أن الديوان الوطني للكتاب وحقوق المؤلف لم ينصفهم، رغم ما يملكون من انتاج كبير طيلة مشوارهم الفني، وهو حال رواد الأغنية الأوراسية بولايتي باتنة وخنشلة، فنانون صنعوا مجد المنطقة لاي حوزون على بطاقة الفنان وحتى وإن وُجدت فهم لم يستفيدوا اطلاقا من المزايا الكثيرة من تعويضات مالية وخدمات اجتماعية، رغم أن المؤسسات الاعلامية لها اتفاقية مع الديوان تقضي بتعويض وحفظ حقوق الفنان بتعويضهم ماديا مقابل عدد المصنفات والأغاني التي تبث عبر الاذاعات الجهوية والمحلية لولايات الأوراس الكبير، وما زاد من معاناتهم اليومية قطاع الثقافة التي لم تولي الأهمية الازمة لفناني المنطقة، رغم المبالغ المالية الكبيرة والميزانية السنوية التي تخصصها الوزارة للتنشيط الثقافي والحفاظ على اعلام الهوية الوطنية.

فنانون عاشوا وماتوا  في صمت فتنكر لهم ما يسمون أنفسم بأهل الفن والثقافة وحتى تسجيلاتهم وأشرطتهم إختفت في لمح البصر فأرادوا فعلا أن يغيبوا ويهمشوا  في وطنهم كغيرهم من أقرانهم عيسى الجرموني، محند أوصاكر، محمد لوراسي، علي الخنشلي محمد البايضي، بقار حدة، حميد البرجي، الهادي بهلولي ..

وفي اليوم الوطني للفنان والتراث الثقافي بمنطقة الأوراس بمختلف أشكاله وفنونه والذي يتميز بالزخم والثراء، فهو في حاجة كبيرة لاهتمام الباحثين والدارسين في قطاع التعليم العالي خاصة بالكليات الإجتماعية لاسيما علم الإجتماع الثقافي واللسانيات والأنثروبولوجيا، وهذا لا يكون إلا من خلال توجيه الطلبة في بحوثهم ومذكراتهم نحو خدمة هذا التراث ولثقافة المجتمع الأوراسي والجزائري على وجه العموم.

وعكس باقي دول العالم العربي التي سعت إلى إبرام إتفاقيات تعاون وشراكة بين قطاعي الثقافة والتعليم العالي إلا أن هذا الأمر لا نجده في الجزائر وحتى وإن وجدت فهي محدودة جدا ولا تشكل أولوية القطاع الثقافي على المستوى المركزي ما نعكس سلبا على المناطق التي تشتهر بتراثها الثقافي المادي والشفوي، أما بالنسبة للتراث الشفوي خاصة بالنسبة للأغنية التراثية الفولكلورية بنوعيها النسوية والرجالية لازالت إلى يومنا تبحث عن من يخرجها في غياب أي بوادر في الأفق من أجل إقتراح تصنيفها على غرار طابع الأمزاد في الجنوب الجزائري، رغم أن التراث الشاوي يتجاوز تلك الصفة العادية من أغنية للفرح والمرح الى رسائل هادفة تختص بمختلف مظاهر الحياة الثقافية والتاريخية والإجتماعية للمجتمع الجزائري والأوراس على وجه الخصوص.

وفي ظل حديث الدولة الصريح بالبحث عن بدائل اقتصادية خارج قطاع المحروقات لإنعاش الإقتصاد الوطني كان من الأجدر الاهتمام بالتراث الثقافي من أجل خلق حركية سياحية وثقافية فيما بات يعرف بالاقتصاد الثقافي والسياحة التاريخية، وأغنية “اسمحيلي يا لميمة” واحدة من هذه الروائع التي وجب الإهتمام بها أكثر من خلال توحيد الجهود بين مختلف ولايات الأوراس الكبير لمحاولة ضبط القصيدة لتكون على الأقل قريبة من النسخة الأصلية وذلك بالاتصال بمشايخ الفن الفولكلوري لأجل تدوينها بصورة موحدة لطبعها وتوزيعها على مختلف الدور والهياكل الثقافية وتوزيعها أيضا على مختلف المؤسسات التربوية في مختلف الأطوار التعليمية لإدراجها للتلاميذ في الأنشطة الثقافية.

ومن جهة أخرى تُطرح عديد علامات الإستفهام حول نشاط الحركات الجمعوية التي تعد بالآلاف ولم هذا العزوف الكبير عن تنظيم مبادرات للكشف عن روائع الأغنية الفولكلورية، وحتى وسائل الإعلام المختلفة السمعية والبصرية المحلية خصوصا نجدها بعيدة كل البعد عن تراثنا الثقافي وأصبحت الألوان الفنية الأخرى تشكل مساحات واسعة من البث والنشر، وبالنسبة لمضامين هذه القصيدة الثورية وأخرى كثيرة بمنطقة الأوراس نأمل في القريب العاجل أن تكون هناك ملتقيات وأيام دراسية باللسان الأمازيغي الشاوي حول الأبعاد الثقافية والإجتماعية لهذه الروائع التي لا يمكن أن تفهم إلا من خلال لسان أهلها التي تعتبر بمثابة المؤرخ الحقيقي لأحداث ووقائع الثورة التحريرية.

رشيد. ح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق