مواسم البوح

فنّ كتابة المذكرات

همسة

مما يولع به الناس كثيرا قراءة مذكرات المشاهير وغالبا هذا النوع من الكتابة يجد إقبالا كبيرا وجمهورا واسعا، لاسيما إذا كان صاحب المذكرات شخصية مشهورة أو علما من الأعلام الذين طارت أسماؤهم في الآفاق، وهناك أنواع كثيرة من المذكرات، بعضها شخصي جدا يروي أدق تفاصيل حياة الكاتب وله جمهوره والمولعون بهذا النوع من السرد، وبعض الناس لاسيما السياسيين والعلماء والدعاة يترفعون عن ذكر تفاصيل حياتهم الخاصة ويركزون فيما يروونه على ما يهم الناس من أحداث كبرى وقضايا مشتركة تهم الإنسانية جمعاء، وهناك من يمزج بين الأمرين بحيث يروي في جانب تفاصيل حياته الخاصة وفي جانب آخر يتحدث عن قضايا الناس، ومن أجمل ما قرأت من مذكرات، ذلك النوع الذي يكتسي صبغة أدبية وأسلوبا فنيا مؤثرا، فتشعر وأنت تقرأها كأنك تترنم بقصيدة أو تغوص في أعماق رواية صاخبة تتعقد أحداثها وتشتد عقدتها إلى أن تبلغ القلوب الحناجر، ثم يأتي الفرج وينفرج الأمر شيئا فشيئا.

وهذا النوع من المذكرات نجد مثاله في ما كتبه غابريال غارسيا ماركيز في كتابه (عشت لأروي)، وقد أسهب في الحديث فيه عن تجربته القصصيّة والروائيّة، وذكر بإكبار شديد كيف وقفت معه زوجته  بشجاعة بالغة حتى بلغ النّجاح الذي يطمح إليه في روايته (مائة عام من العزلة)، وفي ما كتبه علي الطنطاوي في مذكراته التي بلغت ثمانية مجلدات، انطلق فيها على سجيته، واتبع طريقة الجاحظ في الاستطراد فكانت ثرية دسمة لا يُشبع منها، ويتمنى القارئ لو أنّ المجلدات الثمانية صارت ثمانين.

وبعضٌ يكتب وهو يحمل بين جوانحه رسالة فينسى ذاته وتفاصيل حياته، ولا يروي من ذلك إلا  بمقدار ما يراه يخدم تلك الرسالة أو المهمة النبيلة التي حملها في الحياة، ومن أمثلة ذلك ما كتبه محمد الغزالي، حيث ركّز على الجانب الدّعوي والعلمي ولم يذكر من حياته الخاصّة إلّا المقدار الضروري منها، وما يأتي تلقائيا غير مقصود، والمهاتما غاندي الذي غلبت عليه قضيته وقضيّة تحرر أمته، ولم يذكر من التفاصيل إلا مجاهدته لذاته وشهواته التي قهرها بالصوم والصبر .

عبد الله لالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق