ثقافة

في ذكرى رحيله التاسعة: “محمد أركون” مفاتيح الانتاج والانتظار

في ذكرى رحيل المفكر الجزائري محمد أركون، ما يقارب التسع سنوات، تعود الذاكرة للمضي قدما لمعرفة مآرب الرجل، الذي حمل في جعبته الفكرية عديد الدراسات والبحوث والمؤلفات من الكتب على غرار “الفكر الإسلامي نقد واجتهاد” و”الفكر العربي وتاريخية الفكر العربي الإسلامي” و”نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي” و”أين هو الفكر الإسلامي المعاصر” و”الإسلام والفكر الأصولي واستحالة التأصيل” و”من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي” و”قضايا في نقد العقل الديني.. كيف نفهم الإسلام اليوم” وغيرها.

ومما نشره الكاتب عبد الرزاق بوكبة أن الفكر الأركوني كان  يقوم على النقد العلمي للعقل الديني في مظاهره التاريخية المختلفة بالموازاة مع نقده للعقل العلماني الذي لا يقيم اعتبارا للظاهرة الدينية بأبعادها الرمزية في تشكيل وعي الإنسان، متجاوزا بذلك المنطق الذي يجعل العلماني والإيماني على طرفي نقيض، وداعيا إلى علمانية جديدة تجمع بين “الإنسية الحديثة” و”الإنسية الدينية” تجسيدا لما أسماه “موقف الروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أمام مشكلة المعرفة”.

محمد أركون المهموم بالإنسان

واستهل الدكتور غيضان السيد علي أستاذ الفلسفة بجامعة بني سويف – مصرّ، حديثه بإعطائه نبذة تاريخية عن حياة المفكر أركون بقوله “ولد المفكر الجزائري محمد أركون في الأول من فبراير عام  1928 في بلدة تاوريرت  ميمون (آث يني) الأمازيغية بالجزائر لأسرة فقيرة؛ حيث كان والده يملك متجرًا صغيرًا في بلدة (عين الأربعاء) شرق وهران التي انتقل إليها فيما بعد مع أبيه والتحق بمدرستها الابتدائية، وقد أدى انتقاله لهذه القرية إلى صدمة ثقافية بالنسبة للفتى أركون حيث كان معظم سكان هذه القرية من الفرنسيين الذين أبهرت ثقافاتهم وتعاملاتهم وعلومهم ومعارفهم أركون بالمقارنة مع التعليم والمعارف والمعاملات التي أَلفها قبل ذلك. ودَرَسَ أركون الأدب العربي والفلسفة والجغرافيا والقانون بجامعة الجزائر، وبتوجيه من المستشرق الفرنسي الشهير “لويس ماسنيون” قام أركون بإعداد التبريز في اللغة والآداب العربية في جامعة السوربون بباريس ثم أعد أطروحته حول الفيلسوف العربي الكبير ابن مسكويه، ثم عُيّنَ أستاذًا لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة بجامعة السوربون بعد حصوله على درجة الدكتوراه منها، ثم عضوًا في مجلس إدارة معهد الدراسات الإسلامية في لندن. كتب أركون مؤلفاته باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقد تُرجمت للعديد من اللغات من بينها الهولندية والإندونيسية والإنجليزية وقد بلغ عدد ما تُرجم من مؤلفاته إلى العربية ما يقرب من الثمانية عشر كتابًا.  وقد عاش حياة مليئة بالمد والجذر؛ حياة مفكر وفيلسوف وهب حياته للحكمة والمعرفة إلى أن وافته المنية في 14 سبتمبر عام 2010 بباريس بعد صراع مرير مع المرض ودفن بالمغرب”.

وأضاف الدكتور غيضان السيد علي أن أركون أراد أن يضع الإنسان في مكانته الحقيقية التي خُلق من أجلها فجعله النقطة المركزية في الوجود، وعمل على تحريره من كافة القيود التي كبلته ونالت من حريته وإنسانيته وعلى رأسها التراث، حيث يمكن تلخيص مشروع أركون الفكري حسبه تحت عنوان رئيسي وهو الانتقال من الدعوة النظرية لتجديد التراث إلى التطبيق العملي لهذه الدعوة التجديدية؛ ولذلك انصبت مؤلفات أركون حول نقد العقل التراثي العربي، والدعوة إلى تأكيد أنسنة المقدس وتاريخية النص في مقابل تعاليه المقدس وإطلاقيته، عن طريق ربطه بشروطه التاريخية، واللغوية، والثقافية، ونزع الأدلجة عن كل تركيباته الفكرية والعقائدية، فنقد في سبيل ذلك الدراسات الإسلامية التقليدية محاولاً زعزعة مفاهيمها وإزاحة تصوراتها وتقديم دراسات تطبيقية يحاول فيها استثمار وتجريب المناهج البحثية الجديدة من أجل تقديم رؤى جديدة تضع الإنسان في المركز وتجعله غايتها الأولى والأخيرة.

وفي ذات السياق قال أن أركون مفكر أنثروبولوجي في المقام الأول يكتب المقالة الأنثروبولوجية، ويؤسس مفاهيمها من زاوية لسانية- سيميائية، ويضع في اعتباره آليات النقد التاريخي، ووسائل المقاربة السوسيولوجية. ولذلك لم تكتف كتاباته بنسخ المفاهيم بقدر ما أعادت النظر إليها في ضوء المناهج الحديثة مستهدفًا استثمارها بغية توسيعها وإثراءها وتحميلها بمدلولات جديدة تناسب الحديث الإسلامي، فيقوم -من خلال ذلك- بفتح نوافذ جديدة في التعامل مع الحدث الإسلامي يبتعد به عن الخلط بين اللوغوس والميتوس (العقلاني والأسطوري)، ويعمل على إعادة المنسي وصياغة المكبوت والمسكوت عنه في الفكر الإسلامي.

ويرى الدكتور غيضون أن أركون سخر فكره من أجل الإنسان المسلوب عقله والمصادرة عواطفه وأحلامه وطموحاته خارج عالمه المعيش، ولذلك فكل الحقائق لديه تاريخية وليس هناك حقيقة فوق التاريخ، وأن هذه الحقائق تترسخ بواسطة الإنسان عن طريق ذكائه وإرادته الحرة وقدرته على التجاوز، ومن ثم كان هجومه على الفكر السائد لدى الجماعات الإسلاموية المتطرفة التي لا تأبه بالإنسان، ولا تهتم بالأسئلة التي يطرحها العقل النقدي والجدلي، وتتجاهل كافة منتجات العصر العلمية لتعيش في عصور فائتة، منوها أن أفكار أركون حية ثائرة داخل قلوب وعقول أنصاره ومحبيه تلهب حماسهم وتلهمهم بكل ما هو جديد وأصيل وجدير بمواصلة البحث على طريقة أركون ومنواله، ومازالت أفكاره – على الجانب الآخر – يُوجه إليها النقد والاتهامات بكافة صورها وأساليبها، وهذه هي طبيعة كل فكر أصيل وحقيقي.

 (أركون) مفاتيح الإنتظار

قال الدكتور لحس عزوز أستاذ نقدر بجامعة بسكرة أن محمد أركون يثير مفاتيح الإنتاج النصي فالعلوم والفلسفة والفنون والنظريات، هي كلها نتاج بشري ساهم في تقديم رؤيا مغايرة مستمرة للإنسان و للمشكلات في فجوة انتظارية دائمة الدهشة  بحرقة الأسئلة فالإنتاج المعرفي كتلة صماء عند أركون،  وكان لزاما تفكيك وهدم ذلك في نقد ذاتي مستمر لا نهائي، العملية ليست تكرارا و لا نموذجا انما هي عملية مغايرة صادمة نافية للمعلوم و موجبة للمجهول ؟

(أركون) خيبات أمل:

ويرى الدكتور لحسن عزوز أن الإبداع عند اركون، تجلى في نصوص عديدة تقاطعت مع فهم تاريخية الفكر الإسلامي و نقده و اجتهاده و معاصرته و اختلافه مع الآخر  فالتغاير لا يتوفر إذا ما توافرت القدرات المادية فقط. بل قبل هذا ، ينمو الإبداع  و يتعالى و يتسع، إذا كان مجال الإبداع متصلا بالشك والنقد والسؤال، حيث يقول: “السؤال تتوالد فيه خيبات انتظار وأمل متصلة بالمتلقي و الاخر والآخر في لا نهائيته واختلافه يتصل بالحرية والخلق والإنتاج لن ينجح ذلك في ظل توجهات غربية استعمارية عند الآخر”.

(أركون) وآفاق الكتاب:

يضيف الدكتور لحسن عزوز بقوله : “لمعرفة روح نص الهي، يقتضي ذلك، التفعيل النسقي للسؤال  في تجاوز دائم و تحطيم و تفكيك وإعادة تشكيل للنص هذا يجعل النص في تحولات فكرية وعلمية وحداثية مفارقة للدين والتراث” .

رقية لحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق