العمود

في فلسفة الحراك

التفكير بصوت عال

الحراك الشعبي الجزائري صار يشغل الساحة الإعلامية والفكرية أيضا في المنطقة وعلى دوائر عالمية أيضا من منطلق انه منذ أسبوعين أو ثلاثة تكاد لا تخلو أية تغطية إعلامية لأنباء العالم من تغطية الحراك الشعبي الكبير في الجزائر
وعلى هامش هذا الحراك لاحظت هذا الأسبوع ان أصدقائي المشتغلين في الحقل الفلسفي قد حاولوا إعطاء بعد فلسفي معين للحراك؛ أو حاولوا إلقاء نظرة فلسفية على ظاهرة اجتماعية ذات أبعاد كثيرة أحدها هو البعد الفلسفي.
مما جاء في تعاليق الصديق البشير ربوح في التلفزيون مقارنة الحراك بالحركات الثورة العالمية التي نالت حظها من التعليق والتنظير كالحركة المضادة للأبارتيد أو الثورة الفرنسية والثورة الكوبية بشكل عابر… وهنا نجد التوازي المنطقي بين التحركات الشعبية الغاضبة (ولو انها في الجزائر كانت حركة على درجة محيرة من السلم والهدوء والتصرف النموذجي بالنسبة لحراك يفترض أن ما يحركه هو الغضب)…
في مقال له عنونه بالعنوان ما بعد الحداثي المقصود “نحوُ الحراك pour une grammaire du mouvement”…أهم ما فيه تأمل العلاقة بين التفكير والحركة (الحراك) والشغف أو المشاعر القوية passion مع الاستئناس بمقولة شهيرة لهيغل من كتابه حول فلسفة التاريخ مفادها أنه لا شيء ذا أهمية في التاريخ حدث خارج دائرة الانفعال القوي أو دائرة الشغف.
في نص قصير له وصف أيضا الصديق جمال بلقاسم الثورة ببعض التعابير الفلسفية قائلا: ” السؤال يصير فضاءً…أخرج إلى الفضاء أيها الطفل: الخروج باستمرار يكون من مكان محجوب، مستور، إلى آخر مكشوف. سحب الحاضر إلى الخارج هو نوع من إسقاط النور عليه. يعلق الحراك على هذا الإسقاط، أو جعل الأشياء ذات طبيعة نتوئية-بارزة داخل العالم كالآتي:”أن تسقط النور على شيء ما هو أن ترمي رمية يقوم من خلالها الكشف بتسريب نفسه والتخلص من عتمته. هذا الإعلان المتضمن لتسليط الضوء يتخلى على الفور عن كل بلبلة قاتمة، ليسهّل للحجب سحب نفسه”. الحاضر حدث أو مجيء، شيء يرتفع إلى أعلى باستمرار، نتوء، ذو خاصية إبرازية. والحراك أصبح”طاقة لا تغير الحياة وحسب، وإنما تزيد إلى ذلك، نموها وغناها ودفعها إلى الأمام وإلى فوق” والملاحظ رغم جمال النص إلا أنه عموما لا يقدم مادة للتفكير خارج الدائرة البلاغية التي تلصق بفعل معروف بألفاظ معهودة تعابير من المعجم الفلسفي المعاصر.
قد يثيرنا التساول حول صعوبة المقاربة الفلسفية للحراك، والراجح عندي هو أن الحراك ليس تجربة فلسفية بالضرورة أو أن البعد الفلسفي له بعد لاحق تماما وليس جوهريا في التجربة. وهذا يقودنا إلى التساؤل القديم المتجدد الذي هو: هل كل تجربة إنسانية قابلة للتفلسف في أمرها؟ أو السؤال : هل كل موضوع هو موضوع فلسفي بالضرورة؟
والإجابة التي أراها الأقرب غلى الصواب تسير في مسارين: الأول هو وجود مسافة ضرورية بين عالم الفعلaction وعالم التأمل réflexion ، وهي مسافة ندعو إلى عدم محاولة ردمها/ مما يجعل الحراك بعيدا عن التامل الفلسفي.
أما في المسار المقابل فأعتقد أن الفكرة الكلاسيكية التي تجعل كل موضوع موضوعا فلسفيا بالضرورة هي فكرة فقدت فعاليتها لسبب تاريخي بسبب هو انفصال العلوم المتخصصة عن الفلسفة، وهو أمر تسارع في القرنين 18 و19… وبهذا صار قطاع كبير من التجارب الإنسانية خارجا عن الدائرة الفلسفية.
وقد عاد الابستمولوجيون في القرن العشرين إلى محاولة إعادة تأهيل موضوعات العلم للتأمل الفلسفي من خلال وجهات نظر الفلسفة التحليلية، وتجمعت التأملات في وجهة النظر اللغوية ثم الخطابية (لودفيغ فيتغشتاين أولا ثم ميشال فوكو لاحقا) والتي تقول غن كل عملية تفكير هي نشاطات اللوغوس حول الموضوع اي أنها مسالة لغوية تتلاعب بالموضوعات داخل الصياغات لا غير (فيتغنشتاين) أو أنها مسالة خطابية أي تنظيم موضوعات لغويا وتعبيريا أو بنائيا لأجل تسيير مسائل السلطة التي هي أرصدة موضوعة في بنك الخطابات لا غير.
إلا أن كل هذا لم يردم الهوة الجوهرية العميقة بين الحركة والفكر، وحتى الفلاسفة (أو العلماء) المعروفون باندراجهم في العمل السياسي مثل برتراند راسل أو آينشتاين أو سارتر أو فوكو فهم يملكون وجهين مستقلا أهدهما هم الأخر: المفكر على ضفة والمناضل النشط سياسيا على ضفة أخرى.
يبقى أن حضور هذين البروفايلين للوجه الواحد في الشارع وفي الساحة السياسية او الاجتماعية أو في ساحة النضال العمومي المباشر هو علامة إيجابية لا ريب فيها بالنسبة لثقافة اي بلد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق