كشكول

في وداع 2019

على حافة السياسة

يطوي الجزائريون اليوم آخر ورقة من سنة 2019، ومعها يطوون حقبة وعشرية مثيرة للجدل قضاها الجزائريون في صالة انتظار شيء ما، لكنهم انتظروا كثيرا فقرروا مغارة دكة الانتظار والانتقال إلى غرفة العمليات للقيام بما يجب القيام به. ذلك ما حصل في يوم الجمعة 22 فيفري 2019 أين خرج الشعب الجزائري عن بكرة أبيه في كل المدن والقرى نساءا ورجالا وأطفالا، حاملين شعارا واحدا ” لا للعهدة الخامسة.. هذا الشعب لا يريد بوتفليقة والسعيد”.. كانوا بالملايين نسوا كل خلافاتهم واختلافاتهم، متحدي من أجل هدف واحد وهو الانعتاق من الحكم الفاسد الذي أهلك الحرث والنسل، وكان لهم ذلك.

 

أفول عشرية الوهم

دخل الجزائريون العشرية الثانية من الألفية الثالثة بأكبر خرق للدستور، استطاع من خلاله الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة تنويم الجميع وتمرير مشروع العهدة الثالثة سنة 2009، ولم يثر ذلك الفعل على خطورته ردات فعل واضحة بسبب  مفعول الرشوة العائمة التي مست كل الجزائريين، حيث سكبت الأموال في كل الاتجاهات، فارتفعت أجور الموظفين ونال الخواص ما تيسر من الصفقات، وتمت رشوة الأحزاب السياسية بالمزيد من المناصب عبر الحكومات المتعاقبة، فاستكان الجميع إلى الأمر الواقع وسط بذخ كبير وتبذير للأموال في مشاريع وهمية ضمن ما سمي برنامج الرئيس للإنعاش الاقتصادي الذي طاف عبر المناطق يوزع الأموال ذات اليمين وذات الشمال، حتى أقعده المرض ومع ذلك تمكن من العبور إلى العهدة الرابعة باستمرار نفس التواطؤ من طرف الجميع، ليعيش الجزائريون عهدة كاملة بدون رئيس، أين تم تعميم وتعويم الفساد على جميع الأصعدة، وسط جدال كبير حول قدرة الرئيس على إدارة البلد.. الذي كان شقيق الرئيس يديره فعليا محاطا بمجموعة من النصابين النهابين للأموال العمومية.. في كل هذه الأثناء كان الشعب الجزائري يفقد صبره بالتقطير حتى قرر الثورة.

 

2019.. سنة المنعرج الخطير

لم يكن أحد ينتظر أن يثور الشعب الذي تقبل العهدة الرابعة على مضض، غير أن اتضاح نية العصابة التي كانت تحكم باسم الرئيس في المرور إلى العهدة الخامسة وضع حدا لظاهرة الانتظار التي دامت أكثر من خمس سنوات، فثار الشعب وخرج للشارع منهيا حالة الترقب وواضعا السلطة الفعلية أمام مسؤولياتها.. لقد قرر صاحب الأمر الفصل في الأمر وأعلنها ثورة في الشارع مازالت مستمرة لاسترجاع القدرة على توجيه الأحداث، ومع مرور الوقت انظم إليه الجيش فانتهى زمن العصابة ورحل عرابها عن السلطة، ثم انخرط الجميع في مسار تصفية وتطهير الساحة من بقايا العصابة وتفكيك الألغام المزروعة في كل القطاعات، فأدخل جزء كبير من العصابة إلى السجن بالموازاة مع مسار سياسي لإعادة الأمور إلى نصابها وسط استمرار المظاهرات، وهكذا تواصل المد والجزر بين الخيارات المطروحة وفق توجهين رئيسيين، أحدهما يريد العبور إلى مرحلة انتقالية وتشكيل مجلس تأسيسي، وهو مطلب رفعه جزء من الحراك الشعبي، في حين تمترس جزء آخر وراء الحل الدستوري الذي تبناه الفاعلون في المؤسسة العسكرية، وهو الحل الذي تم فرضه وفق مراحل انتهت بانتخاب رئيس جديد في انتخابات لم تحظ بالتوافق الوطني، ومع ذلك أنتجت رئيسا وسط جدل كبير.

 

الطريق إلى 2020

لقد تمكنت الثورة الشعبية التي تقمصها الحراك من خلق قيم جديدة ونشر ثقافة ووعي جديدين وجب رعايتها والاستثمار فيها، فالشعب لم يعد ذلك المتفرج على الأحداث الذي يقف مكتوف الأيدي، بل أصبح فاعلا حقيقيا يقول كلمته كل جمعة وكل يوم في الفضاءات المتاحة والمفتوحة، إنه يمارس وظيفته في الرقابة على الشأن العام وهذا هو أكبر مكسب ستجني الجزائر بفضله فوائد جمة وستحظى بوجود سلطة مضادة مباشرة يمارسها الفرد على المسؤولين، في انتظار أن يعاد تشكيل الساحة السياسية وفق تكوينات سياسية واجتماعية تمارس وظيفة التمثيل وتقي المجتمع من الفوضى والتشرذم الذي آل إليه الحراك في أشهره الأخيرة.

مع ذلك يبقى الحذر مطلوبا حتى لا يعاد إنتاج نفس أنماط الهيمنة على الساحة السياسية، وتمكين الفاسدين في العودة إلى المشهد، وتدوير نفايات النظام السابق وإعادة رسكلتها لإنتاج القيم التي أذلت الجزائريين، وجعلتهم محل سخرية العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق