ثقافة

قراءة في رواية (رنيم)..! ـ لـ ليلى بيران ـ الجزء الثاني

البناء الفنّي للرواية
“إنني أومن بحقّي في الحريّة، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كلّ سلاح ..” ـــــــ أبو القاسم بطل قصّة (رنيم).
اعتمدت الكاتبة في بناء رواية (رنيم) فنيّا على عدد من التقنيّات المتنوّعة، منها الاستذكار والحوار والمنولوج والسّرد المباشر، وهي تقنيّات شائعة في السّرد الروائي الحديث، لكنّ كلّ كاتب ينسج خيوطها بطريقته الخاصّة، فيفلح بعضهم في شدّ انتباه القارئ وإبهاره بها، ويخفق آخرون رغم أنّهم يستعملون التقنيات نفسها، وهذا راجع إلى عدّة أسباب، منها القاموس اللّفظي للمؤلّف وبصمته الأسلوبيّة، وكذلك المضمون الفكري للمتن الإبداعي..

الأسلوب الحواري
وتقنية الاستذكار
وما يُلحَظ بشكل بيّن على الهيكلة الفنيّة لرواية (رنيم) أنّها اعتمدت بشكل كبير على الأسلوب الحواري في عمليّة السّرد، ثمّ تأتي تقنية الاستذكار في الدّرجة الثانية، وهذه الطريقة في السّرد تخفف من حضور المؤلّف في السّرد المباشر، وتمثُلُ الأحداث وكأنّها تقع مباشرة أمام عين القارئ بخلاف ما إذا تولى الكاتب نفسه هذه العمليّة، خصوصا إذا كان الموضوع مطروقا وكتب فيه العشرات من الروايات إن لم نقل المئات.. !!
والشيء الجميل أنّ ليلى بيران جعلت تقنيّة الحوار تتداخل مع تقنيّة الاستذكار، وتؤلّف معها شبكة سرديّة تضجّ بالحركيّة والحياة، فقد بدأ السّرد من مقهى في باريس لتنزاح الذاكرة من هناك عائدة إلى أرض الأحداث (الجزائر)، وتبقى البطلة (الرّاوية) ساكنة هناك في بقعة الانطلاق لا تكاد تبدي حراكا، بينما الأحداث تتوالى في ذاكرتها تعج بالحركية والضجيج، المستمدّ من عمق الذّكريات والتي سمته في انبهار (رنيم )، صوت الماضي السّاحر..
وكان لزاما على صوت المؤلّفة أن يعلو بين حين وآخر ليكون عتبة الانطلاق، ثمّ ليرمّم ما قد يحدث من فجوات أثناء تداعي عمليّة السّرد وتعقّدها، في بداية الرواية ظهر هذا الصّوت مشيرا إلى البطلة بضمير الغائب:
“رغما عنها حزمت حقائبها إلى باريس.. هي التي حلفت يمينا بأن لا تطأ قدماها الأرض..”
ويشعرك السياق هنا بأنّ الكاتبة تتحدّث عن نفسها وعن ذكرياتها رغم استخدامها لضمير الغائب (هي)، وهذا يذكّرني بأوّل مرّة اكتشف هذه الطريقة في السّرد والحديث عن النّفس باستعمال ضمير الغائب، كان ذلك عندما قرأت قصّة (الأيّام ) لطه حسين، والتي كان يتحدّث فيها عن نفسه مستخدما ضمير الغائب، وكأنّه يتحدّث عن شخص آخر منفصلا عنه، هي تقنية لطيفة جدّا، تجعل المؤلّف (السّارد) يتقمّص شخصيّة المراقب والمتابع من بعيد لما يجري من أحداث..
وهناك ملاحظة ثانية سجّلتها بشيء من الدّهشة وهي تنويع الكاتبة في زمن الفعل؛ بين الماضي والمضارع في توصيف حدث واحد في مكان واحد، فقد بدأت بقولها :
“رغما عنها حزمت حقائبها إلى باريس ” حزمت ( فعل ماضٍ ).
ثمّ بعد بضعة أسطر تقول :
” بإحدى مقاهي باريس تجلس واضعة قدما على قدم تراقب رجلا وامرأة ”
وكأنّها تريد أن تضع القارئ في واقع الحدث ومؤثراته مباشرة، فلا يبقى منساقا مع الزمن الماضي فيشعر كأنّ الأحداث انتهت وانقضى زمنها، بل هي حاضرة أمامه ( تجلس / تراقب ) فالحدث يمثل لناظريه في الحين، ولا شكّ أنّ في ذلك تأثيرا أكبر من الاستمرار في السّرد بصيغة الماضي وحدها..
وما إن تلمح طيف امرأة تمرّ بها في مدينة الأزياء حتّى تبدأ عمليّة استرجاع الذكريات ، ذكريات جدّتها مريم وأمّها عائشة ، ثمّ ذكريات أبيها بعد ذلك أثناء الثورة ، وكلّ ما حدث لأسرتها ، لكنّ المؤلّفة تضطرّ إلى التدخل لسدّ فجوة أوشكت أن تحدث في الرواية ؛ للحديث عن مريم التي تقول عنها:
“مريم امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، شديدة البياض نحيلة الجسم ذات أنف عريض..”
ولو أنّ الكاتبة واصلت الإشراف من بعيد على بناء معمارها الروائي، ولو بلسان البطلة التي هي نفسها المؤلّفة (غالب ) لكان أكثر تأثيرا في القارئ وأشدّ ابتعادا عن الأساليب المستهلكة فنيّا ..
أحالت الروائيّة دفّة (الاستذكار) إلى مريم نفسها لتحلّ محلّ البطلة في عمليّة السّرد، وتقود القارئ إلى دهاليز حديث موجع وقاس عن ابنتها، التي ماتت احتراقا بالنّار وعن أبنائها الذكور الثلاثة الذين قتلتهم فرسنا واحدا تلو الآخر ..
وتتدخّل الكاتبة مرّة أخرى متحدّثة عن الذّاكرة لتقول:
“هذه الذّاكرة التي يمتدحها الإنسان لاحتوائها على 3 مليون ساعة فيديو لكنّ ذكريات الأحزان تؤذي الكثير منّا”.
ولكثرة ما عزفت على وتر الذّاكرة واستحضرتها مرارا بشكل رهيب ، تمنّيت لو أنّها أسمت روايتها (رنيم الذاكرة ..).
وبعد شوط قصير تَرَاوَحَ بين الاستذكار والسّرد المباشر تكون بداية تقنية الحوار بين مريم وأحد أبطال الرواية ( إبراهيم )، أحد المناضلين مع المجاهدين، ثم يأتي الحوار بين عائشة وابنتها، وبعدها بين عائشة وأبيها، ليتضح لنا هنا أنّ بطلة الرواية التي بدأت السّرد من مقهى بباريس هي حفيدة فاطمة وابنة عائشة زوجة أبي القاسم.. وغلبت تقنيّة الحوار بعد ذلك على معظم بقيّة فصول الرّواية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق