ثقافة

قراءة في كتاب: رواية (جدران المدينة) للأستاذة كهمان مسعودة

 

إعداد: عبد الله لالي

 

الفضاء الزماني

هناك مؤشرات أكبر تدلّ على زمن الأحداث، ومنها انتشار بعض الظواهر السلبيّة في المجتمع خلال بداية الألفيّة الثالثة، أي في فترة العقد الذي نعيشه والعقد الذي يسبقه (فترة تمتد إلى ما يقارب العشرين سنة)، وربّما ترجع قليلا إلى الوراء ببضع سنوات من أواخر القرن الماضي، والفواصل الزمنيّة ليست بالصرامة التي يحدّدها المؤرخون أو الكتّاب..

ونذكر من تلك المؤشرات: – ظاهر الهجرة غير الشرعيّة (الحرقة)، وسرقة الأطفال، تفاقم العنوسة بشكل رهيب، إذ لم تكن المجتمعات العربية تعاني من هذه الظاهرة بهذه الحديّة، ظاهرة العيادات الخاصّة بالرّقية (بشكل عصري).

وهذا البعد الزّمني ليس ذا بال إذا ما قورن بالبعد الزمني المجرّد، الذي شغل حيزا معتبرا من الرّواية، بل كان بؤرة توترها الكبرى، ورمزت إليه الكاتبة بحبّات الرّمل التي تنزل من السّاعة الرّمليّة، وتنذر بالنفاد مع مرور السّنين، التي تحمل البطلة على الولوج إلى سنّ اليأس المشؤوم قبل أن تحظى بمنزلة ما في جنّة (الزواج) مثل بقية أترابها.. !

تقول الكاتبة موظّفة لرمزية حبّة الرّمل في مرور الزمن، وزحف الأيّام ص 13:

“..فالأيّام الخصبة شمّرت وأخذت تهرول بسرعة وحبّة الرّمل الأخيرة في السّاعة الرملية قد تسقط إذا اهتزّت بعنف ولن تستطيع أن تعثر عليها والرّياح مستمرّة لا تتوقّف.. ”

ونلحظ هنا استخدام الكاتبة لعدّة عبارات ترمز إلى مرور الزمن (القاتل لكلّ أمل) بسرعة رهيبة: (شمّرت بعنف / تهرول بسرعة / الساعة الرّمليّة / تسقط / الرّياح.. ”

هذه إشكاليّة عويصة يمكن رسم صورتها كما يلي

الزواج = الإنجاب يحتاج الذي يحتاج إلى خصوبة.

سقوط حبّة الرّمل + هبوب الرياح = نقص الأمل في الزواج والإنجاب

بقاء حبّة الرّمل في السّاعة = بقاء الأمل (الزواج).

ربّما لم تجسّد الكاتبة البعدين الزمني والمكاني بشكل (تشخيصي)، أي أنّها لم تسمِّ الأزمنة والأمكنة بشكل مباشر، لكنها اشتغلت بشكل عميق على البعد التجريدي للمكان والزمان، ما يعطي لهما قيمة فلسفيّة عميقة.. !

شخوص الرّواية:

في الرّواية عدّة أبطال أساسيين وفرعيين، كلٌ منهم يؤدّي دوره الذي رسمته له الكاتبة بدقّة كبيرة، ربّما ساعدها عليها أنّ هذه الشخوص لها ظلال ممتدة في أعماق الواقع، وإن لم تسمّها الكاتبة. والملاحظة العامّة عن شخوص الرواية على مستوى أسمائها (شهرزاد / سامي / كاميليا / ياسمين / نرجس / أسماء ..)؛ أنّها ليست من الأسماء الشائعة في الجزائر ، وربّما هي أكثر انتشارا في البيئة المشرقيّة ، مع الإشارة إلى أنّها بدأت تظهر في السنوات الأخيرة في المجتمع الجزائري، وتصبح معتادة.

البطلة الأساسيّة في رواية (جدران المدينة) هي شهرزاد، المسؤولة الأولى على أسرتها الصغيرة أمّها وأختها وأخيها سامي، تظهرها الكاتبة متشائمة محطّمة، لكنّها تتحدّى الصّعاب وتقتحم العواقب ، فهي شخصيّة إيجابيّة وفاعلة رغم كلّ الظروف، وتصف الكاتبة في عدّة مواضع من الرواية لتعطي صورة متكاملة عنها شيئا فشيئا، تقول عنها في ص 26:

” لن تنتظر العريس كما كانت تفعل من قبل فقد قرّرت أن تكون أميرة وتنظر إلى الرّجال بهذا المستوى لن تتنازل عن كرامتها أو أي شيء من أجل لقب زوجة أو أمّ تعيسة أو مطلّقة بل ستبحث عن أمور تسعدها..”

إلى أن تقول في عزيمة حديديّة:

” مسؤوليتها أصبحت أكبر وهي تواجه الرّمال المتحرّكة القادمة من كلّ مكان “.

ثم يكتمل هذا الوصف لشخصيّة شهرزاد في الصّفحة الموالية ص 27:

ألقت شهرزاد جثتها الخفيفة على السّرير، وهي تحلم بالغد بعدما زالت تلك الغشاوة السّوداء وتعرّفت على نفسها من جديد في مرآة نظرتها للحياة، عيناها البنيتان الواسعتان جمعت جمال الدنيا ودفئها.. ”

إنّها شخصيّة صلبة قويّة رغم كلّ العقبات والعوائق، وشخصيّة ذات جمال ورشاقة، رغم تأخرها في الزواج، وهي تشتغل ممرّضة وتتحمّل عبء رعاية أسرتها كاملة، بما فيها أختها ياسمين الأكبر سنّا منها.

شخصيّة ياسمين: هي أخت شهرزاد والأكبر منها سنّا، وقد أصيبت باكتئاب حادّ بعد الحادث المميت الذي أودى بحياة أبيها ، وإصابة أمّها بشلل مزمن أقعدها الفراش، وجعلها تعيش على هامش الحياة، ولم يعد لها هناك أي دور كان، حتى أنّ المؤلّفة نفسها، لم تعرض لها كثيرا في الرّواية، ولو بطريقة (الاستذكار)، والرّجوع في الزّمن إلى الخلف، وتقول الكاتبة واصفة ياسمين بلسان أختها شهرزاد ص 6:   لقد خشيت أن يلفظها المجتمع كما يلفظ البحر الميتة وحتّى لا تتكرر في كلّ مرّة الأعذار عن عدم خروجها أخبرت الأقرباء وبعض الصديقات أنّ السّبب حساسيّة جلديّة أصابتها فنصحها الطّبيب بتجنّب الشمس، وتفاجأت أنّ الأغلبيّة المنافقة كشفت عن نفسها فانقطعوا عنها”.

لكن هذا الوصف لياسمين لا يكفي وحده ولا يعطي صورة كاملة عن شخصيّتها، ولذلك نجد الكاتبة تضيف إلى ما سبق معلومات أخرى تجلّيها لنا أكثر:

” لم يكن أمام ياسمين إلا أن تطوي صفحة حياتها وتكتفي بالماضي الطويل الذي عاشته خمسة وأربعون سنة ربّما كانت قادرة على اتخاذ القرار الصّائب لتغيير مصيرها ولم تفعل لأنّها إنسانة متردّدة ولا تحبّ المغامرة في المجهول أو ربّما لأنّها غير متسرّعة في الاختيار الصّحيح حتّى لا تندم”.

من خلال الوصف السابق نقترب أكثر من شخصيّة البطلة الثانية ياسمين، والتي تبدو ضعيفة الشخصيّة إلى حدّ ما ، وسبب ذلك هو التّردد الكبير الذي لازمها في حياتها، ولذلك تنسحب من المجتمع وتكتفي بالعزلة.

ويختفي بعد ذلك وجود ياسمين في الأحداث لصفحات كثيرة، إلى أن تظهر في الصّفحات الأخيرة، وقد تغلّبت على خوفها وضعفها ووقفت إلى جانب أختها في علميّة البحث عن أخيهما ( سامي).

شخصيّات ثانوية:

سامي: وهو الحاضر الغائب ، فقد تحدّثت عنه الكاتبة كثيرا، ولكن لم يظهر (فاعلا) في مسرح الأحداث إلا من جانب (المنفعل به)، أي أنّ جزءا من أحداث الرواية تدور حوله، ولكنّه لا يوجد له أي دور مباشر فيها.

الرّاقي: شخصيّة أخرى مكمّلة لديكور الرواية، ودار الحديث عنه كثيرا، ولكنّه لم يظهر إلا في مشهد واحد، ظهر فيه بصفة الشخصيّة المتعلّمة الإيجابيّة، وقد وصفته الكاتبة بعيني شهرزاد قائلة:

” لم تتوقّع مكان الرّاقي بهذا الشكل لا شموع ولا بخور ولا سبحة في اليد ولا مبالغة حتّى في لحيته التي لم تخرج على إطار وجهه الدّائري الممتلئ، إنّه رجل في العقد الخامس سواد شعره أبرز بشرته البيضاء النظرة التي تشير إلى العيش الرّغيد وهالة الاحترام تحيط به مع البذلة الرّمادية الدّاكنة وقميصه الأبيض المخطط بالأزرق الفاتح ”

وصف دقيق ومفصّل لشخصيّة، لم يكن لها سوى دور ثانوي قصير في هذه الرّواية وإن كان دورا فعالا، إذ هو الذي أعطى للبطة مفتاح الخروج من الأزمة التي وقعت فيها، وذلك ما ساعد أيضا في العثور على أخيها.

وهناك شخصيّات أخرى لم يكن لها إلا دور شبه ثانوي، إذ تذكر بأسمائها في سطر أو سطرين ثمّ سرعان ما تختفي، مثل الأم المشلولة، والأب المتوفي، و(أسماء) التي تعتبر مشرفة على إدخال الزبائن إلى الرّاقي وهي زوجته الثانية، وكذلك ابنة خالة البطلتين (كاميليا، التي ذكرت في جملة واحدة .. !

كلّ تلك الشخصيّات تصنع النسيج الرّوائي المتلاحم، وتشكّل عالما يوحي للقارئ بالواقعيّة ومصداقيّة الأحداث، وهذا ما يجعله يعيشها بكلّ جوارحه ويتفاعل معها بشغف ولهفة.. !…يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق