ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي:أدب الأطفال في المعايير النّقديّة للدّكتور فاضل الكعبي

الفصل الثاني

وجاء بعنوان (أسس المعايير للكتابة الإبداعيّة في أدب الطّفل):

وجعل له مدخلا عاما وأربعة مباحث، ومما جاء في المدخل العام:

“وبهذه الخاصيّة التي يتميّز بها أدب الأطفال، أصبح من اللَّازم والأساسي أن تكون لهذا الأدب قواعده وأسسه الفنيّة الخاصّة التي تنطلق منها، وتتقيّد بها، مقوماته الفنيّة الخاصّة في الكتابة.. ”

المبحث الأوّل (أسس ومعايير للأطفال بين الأكاديميّة والرؤى الشخصيّة ):

يقرّر المؤلّف أنّ أية كتابة جيّدة لابدّ لها من أسس وقواعد تستند إليها، وكذلك أدب الأطفال له معاييره ومقاييسه الخاصّة به، كانت في البداية عبارة عن رؤى واجتهادات شخصيّة، ثم جاء الأكاديميون وعلماء النّفس والمختصّون وأعطوا لها بعدا علميّا مضبوطا إلى حدّ ما، وقد استفاد أدباء وكتّاب الطفل من الأبحاث والدّراسات العلميّة التي قام بها المختصّون. ورغم تطوّر الأبحاث والدّراسات العلميّة والأدبيّة التي تتحدّث عن أدب الطّفل، وقيمته في المجتمع وتأثيره في بناء شخصيّة الطّفل؛ إلّا أنّ هذا النّوع من الأدب ما زال يعاني نوعا من التهميش، أو الاستصغار، وهناك من يطرح فكرة تجاوز الطّفل لهذا الأدب بشكل سريع بعد نموه العمري.

ويردّ الكاتب على كلّ ذلك بقوله:

“.. ليس من المنطق إقصاء أدب الطّفل عن طريق الطّفل، وتهميش دوره وعناصره وأهميّته للطّفل، وعدّه هامشيّا وفرعيّا ولا حاجة له، مثلما حدث معه من قبل ويحدث ذلك الآن لدى البعض، ممن يدرك مؤثرات أدب الأطفال وأثره على الطّفل، ولا يدرك أنّ حاجة الطّفل إلى الأدب لا تقلّ بالأهميّة عن حاجته إلى التربية والتعليم، وإلى اللّعب وغير ذلك من الحاجات الأساسيّة في حياة الطّفل “. ص 83.

ويبينّ المؤّلف في فكرة أخرى أنّ أكبر ناقد للعمل الإبداعي الموجه للطفل هو الطّفل نفسه، وأنّه ناقد لا يعرف المراوغة أو المجاملة، ويقول رأيه فيما يقدّم له بكلّ بساطة وتلقائية، ويَخْـــلُص إلى القول أنّ الطّفل ناقد خطير.. !

ولذلك يعالج فكرة (دواعي الخوف من الكتابة للطّفل)، وقال أنّ فكرة الخوف تلك أكدها كثير من الأدباء في العالم، وذكر من هؤلاء الكتاب (ماكسيم غوركي، وتولستوي، صموئيل بيكت، عبد الرحمن منيف، توفيق الحكيم) وحتى يعقوب الشاروني عميد كتاب أدب الطّفل المعاصرين.

وينقل الكاتب تصريح الروائي عبد الرحمن منيف له في بغداد عام 1981 م الذي قال فيه:

“إنّ أدب الأطفال أدب صعب، وقد حاولت الكتابة فيه، ولكنّني وجدت صعوبة بالغة في ذلك” ولذلك ينعى على الذين يتهافتون على الكتابة في أدب الطّفل، دون امتلاك الموهبة والآليات اللازمة لذلك، وهذا ما أساء كثيرا إلى أدب الأطفال، ورمى إلى مكتبة أدب الأطفال كثيرا من الإبداعات الدّخيلة التي وصمت هذا الأدب بالضّعف والوهن، وجعلت كثيرين ينفرون منه ويولونه ظهورهم.

ويطرح المؤلّف في المبحث الثاني إشكالية:

البساطة وصعوباتها في الكتابة للأطفال:

إشكالية محيرة فعلا تجعلنا وجها لوجه أمام ثنائية: (البساطة / الصعوبة)، فماذا يقول الكاتب عنها..؟

يركز الدّكتور فاضل الكعبي على سمات البساطة والسهولة في أدب الطّفل، لكنّها بساطة فنيّة مقصودة وإبداعية وليست علامة ضعف أو سذاجة، ومن هنا تأتي الصعوبات والمحاذير، ويستأنس بكلام للكاتب (مالك الأحمد)، الذي يقول فيه:

“وبساطة التعبير، إذ إنّ (البساطة) في أدب الأطفال – وهي سمة رئيسية له – تعتبر من العوائق الحقيقية أمام كثير من الكتّاب، فالتبسيط عادة ما يتطلّب جهدا إضافيّا من الكاتب، كي يستطيع أن يُنزل المعاني في ألفاظ وجمل سهلة، مفهومة، سلسة تخلو من الطول والتعقيد، والغموض، والغرابة، مع الاحتفاظ بالتشويق والجمال والجاذبية في نفس الوقت”.

شيء مدهش حقّا كيف تكون البساطة عائقا من العوائق؟ ربّما يتضح لنا الأمر إذا شبّهناها بقطرة الماء في بساطة تركيبها وشكلها وملمسها، ولكن أنّى لأعظم عالم من علماء الأرض أن يخلق مثلها من العدم، إنّها البساطة المذهلة، والسهولة المستعصيّة، كذلك هو أدب الأطفال والكتابة للأطفال، وفي السّياق نفسه ينتقل الكاتب إلى الحديث عن (تعقيد) البساطة نفسها حين محاولة نقل مؤلفات الكبار إلى الصّغار، فإنّ لذلك شروطه وصعوباته الكبيرة التي ينبغي مراعاتها.

المبحث الثالث: (التنظير والاجتهاد في مقوّمات الكتابة للأطفال):

وفيه حديث عن المقوّمات العامة في الكتابة للأطفال، التي تعتمد على المرتكز التجريبي من جهة والتنظير العلمي من جهة أخرى، وهما (مترافدان) يمتح أحدهما من الآخر، وإن بديا متوازيين لا يلتقيان، ذلك لأنّ بعض الكتاب يرى في التنظير والدراسة العلميّة التي تضع الحدود والمقوّمات الضرورية للكتابة في أدب الأطفال؛ كبحا لجماح أقلامها وقيدا يعيق انطلاقتها وتدفّقها، ويرى غيرها أنّها مُعينا له على وضوح الهدف وتوفرٍ لآليات تسهّل له العمل والإبداع فيما هو بصدد إنجازه من إبداع.

وقد قال الكاتب عن ذلك بقوله:

“وهذا كلّه قد وسّع من حالة التصادم بين واقع التنظير وواقع الاجتهاد .. ” ص 115.

ولكي يبيّن أهميّة الجهد النقدي في إضاءة الطريق إلى تطوير أدب الأطفال؛ ذكّر الكاتب بجهوده النقدي في هذا المجال ابتداء من عام 1979 م، وذكر بعض مؤلفاته التي ساهم بها في هذا المجال ومنها كتابه الأوّل (المداخل التربويّة ومرتكزات التجانس المعرفي في ثقافة الأطفال) وأيضا كتبه (العلم والخيال في أدب الأطفال) والكاتب الثالث (مسرح الملائكة دراسة في الأبعاد الدّلالية والتقنيّة لمسرح الأطفال)، وغيرها من الكتب، وخلص الكاتب في هذا المبحث إلى أمر مهم للغاية وهو أنّ معايير الكتابة لا يمكنها أن تبقى ثابتة كما هي في كلّ وقت، بل لابدّ من النظر فيها وتحيينها في كلّ تغيير يحدث في عالم الكتابة والإبداع.

وتحدّث الكاتب أيضا عن ضرورة التواصل بين كاتب أدب الأطفال وقرائه من الأطفال، وذكر مثالا رائعا عمّا يحدث في الاتحاد السّوفياتي سابقا ، فيما يسمّى بمؤتمرات القرّاء، حيث يلتقي آلاف القرّاء الأطفال مع أحد الكتّاب ويناقشونه في ما كتبه، وقال أنّ الكاتب الروسي مارشاك صرّح أنّ مؤتمرات القرّاء الأطفال أوحت له بكثير من القصص.

تجربة سليمان العيسى ورأيه:

وليبيّن المؤلّف أهميّة التجربة الشخصيّة للكتّاب في التنظير لأدب الأطفال، ساق تجربة الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى في مجال الكتابة للطفل ورأيه في أدب الطّفل، ومما قاله في ذلك:

“هذه العوالم الوهميّة ليست أكثر من خدعة نخدع بها أطفالنا، ونشوّه بها عقولهم الصّغيرة، وفكرهم، وثقافتهم، الحقيقة هي أثمن ما نقدّمه للطّفل، والحقيقة، بثوبها العلمي والأدبي والفنّي وحتى الفلسفي أحيانا، فالطّفل فيلسوف صغير في رأيي، ” سوبرمان ” وأمثاله تشويه وتسميم لعقل الطّفل ..”

ومن خلال رأي الأستاذ الشاعر سليمان العيسى الذي تحدّث فيه مطولا عن ما يُكتب للأطفال وخصوصا الشعر، استطاع أن يستخلص من ذلك رأيه النّقدي بصفته مبدعا صاحب تجربة طويلة وعميقة، ولخص تلك الرؤية النّقديّة في نقاط نوجزها في ما يلي:

-ضرورة احترام مقاييس ومواصفات الكتابة للطفل، وإلا ادعى كلّ كاتب أنّه يكتب أدب الأطفال بأي صفة كانت.

-يقول على لسان العيسى أنّ الشعر الحقيقي هو السهل الصعب، القريب البعيد.

ويوجّه نقدا لطيفا للشاعر سليمان العيسى لأنّه في تصريحه السابق نفى أن يكون لشعر الأطفال مواصفات، لكنه ما برح حتى ذكر جملة من المواصفات المهمّة التي ينبغي أن تتوفّر في شعر الأطفال، وهذا التناقض الظاهري له مبرراته وأسبابه، التي التمسها له المؤلّف ولعلّ أبرزَها أنّ تجربة سليمان العيسى هي تجربة خاصة، غنيّة وعظيمة لا شك أنّ لها مقاييسها ومواصفاتها الذاّتية والمتفرّدة، ولكنّه ينتقده مرّة أخرى في قوله أن ليس للنشيد سنا محدّدا، ويناقشه قائلا:

“ولا ندري كيف يمكن تخريج ذلك ؟ ففي هذا الرأي – حسب ما نرى –إشكالية فنيّة ونفسيّة واضحة، تحيل إلى حالة من الالتباس وسوء الفهم ” وأضاف مفصّلا أنّه لابدّ من مراعاة المراحل العمريّة التي حدّدها العلماء، وهذا لعمري الإنصاف والموضوعيّة في النّقد.

المبحث الرّابع ( قواعد الكتابة للأطفال بين النظريّة والتطبيق):

وناقش الكاتب في هذا المبحث عدّة أمور هامة جدّا، تدور كلّها على الكتابة للطّفل، وكيف توائم هذه الكتابة بين النظريّة والتطبيق أو بمعنى آخر، كيف نكتب عن موهبة أوّلا ثمّ نلتزم بقواعد تلك الكتابة ثانيا، لكنّه ليس التزاما صارما ولا جامدا، بل فيه مرونة كبيرة، وقد يبلغ المبدع من البراعة والموهبة في بعض الأحيان أن يكسر تلك القواعد، ويخرج عليها أو يتجاوزها لأمر ما بدا له، أو فتح فُتح عليه فيكتب بما يُعجب ويدهش.

وفي إجابته على سؤال (كيف نكتب للأطفال ؟) أكّد على ضرورة توفّر الموهبة . قبل المقاييس العلمية. .وضرب مثالا (مقتبسا من الأستاذ عبد التواب يوسف) على هذا الشذوذ المحبوب والمطلوب أحيانا؛ بالكاتب ريتشارد آدمز الذي كتب رواية السّفينة في 478 صفحة ونجحت رغم طولها وأحبّها الأطفال، وذكر عددا من الكتّاب أصحاب المطوّلات، وهذا في ظاهره مخالف لمقاييس الكتابة للطفل التي تستلزم عدم التطويل، لكن هذه الأعمال المميزة لقيت إقبالا كبيرا من قبل الأطفال.

وأكّد الكاتب مرّة أخرى على ضرورة وضع القواعد الصارمة لمنع المتطفلين من دخول مضمار الكتابة للطفل، بغير موهبة ولا قدرة حقيقية على الإبداع للطّفل:

“أصبح من اللازم أن تكون هناك قواعد محكمة لكي تقف أمام المدّعين الذين يدّعون إجادة فنّ الكتابة للأطفال وهم في حقيقتهم وحقيقة قدراتهم لا يفقهون حتى المعنى العام لمفهوم الكتابة للأطفال في جوانبها العميقة ” ص161…يتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق