ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: أدب الأطفال في المعايير النّقديّة للدّكتور فاضل الكعبي

المبحث الثاني جعله الكاتب لـــ:

آليات النّقد وعوالمه الخاصة والمتخصّصة بأدب الطّفل:

عاد الكاتب في هذا المبحث إلى التذكير بالفرق بين نوعين من الأدب، الأدب العام وهو الخاص بالكبار وهو الذي انطلق منه أدب الأطفال في بداياته الأولى، إذ كان أدبُ الكبار يُبسَط ويقدّم للأطفال، وبين أدب الصّغار الذي أصبح له خصائصه وميزاته التي يتفرّد بها.

ووجود نقد خاص بالأطفال متمايز عن الأدب العام؛ يقتضي أيضا وجود نقد خاص به، ومتمايز عن النّقد العام، وله إشكالاته وقضاياه وأهدافه، ولكنّه ما زال في حقيقة الأمر ضمن النظرية النقديّة العامة، ولم يستطع الخروج من عباءتها بعد، وبسبب هذا الغياب أو عدم الانفصال عن النقد العام أراد الكاتب أن يضع الأسس الدّقيقة لنقد أدب الأطفال. وهي محاولة جادّة ومبادرة انفرد بها أو بالسّبق إليها الأستاذ فاضل الكعبي وسعى أن يؤسس لها منذ زمن طويل، سواء على المستوى النظري أو الإجرائي التطبيقي.

ومن هنا وضع جملة من العناصر التي تبيّن أهداف النّقد في أدب الأطفال، ومن بينها:

-فك التشابك الفنّي بين أدب الكبار وأدب الصغار.

-إحقاق حقيقة أدب الأطفال وإبراز هويته.

-حصر التعامل النّقدي مع منتجات أدب الأطفال.

-يقف أمام المتطفلين على الكتابة في أدب الأطفال.

-يصحح مسار العملية الإبداعية وقواعدها.

-يصحح العملية النّقدية ومساراتها

-يدعم أدب الطفل ويدافع عنه.

-يكون المتحدّث الفنّي والإعلامي الصادق باسم أدب الأطفال.

هذه عناصر وسمات مهمّة يمكن أن تميّز فعلا الأهداف من (النقد في أدب الأطفال)، وتصلح أن تكون ملامح عامة له. هو يريده نقدا خاصا بأدب الأطفال، لكنه ليس منقطع الجذور عن النقد عامة ونظرياته العلمية، بل يريد له التخصّص الذي يرفد المسار العام للنّقد كلّه.

والمميز في هذا المبحث أنّه وضع جملة من المواصفات أيضا التي ينبغي أن تتوفر في الناقد الحقيقي في أدب الأطفال، نوجزها فيما يلي:

-أن يحدّد منهجه بكلّ وضوح.

-أن يتّصف بالموضوعيّة والأمانة والدّقة.

-أن يكون ناقدا حقيقيا، حاملا لثقافة شموليّة تتسع لكثير من المعارف.

-أن يتصف بالوعي الكامل لمعاييره النّقديّة.

-أن يلتزم بالحياديّة الكاملة في الوظيفة النّقديّة.

-أن لا يكون متطرّفا كلّ التطرّف في أساليبه النّقدية.

-أن تكون حجّته ومعاييره وما يتخذه من إجراءات نقديّة واضحة كلّ الوضوح.

-أن يكون النّاقد مسؤولا وصادقا.

-أن يكون واعيا وحريصا على أداء وظيفته النّقدية.

-أن يركّز تركيزا عاليا في مهارته النّقدية أثناء ممارسته النّقدية للنّص.

هي عشرة شروط مهمة وضعها المؤلّف ليتصف بها (ناقد أدب الطّفل)، وهي شروط ضرورية فعلا، لكن من الممكن اختصارها بدمج بعضها في بعض، مثل الشرط الرابع والتاسع، والثاني والثامن، وغيرها مما يمكن اختصاره في عنصر واحد.

وفي المبحث الثالث نجد:

مؤشرات نقديّة لواقع الدّراسة والكتابة في أدب الأطفال:

وأشار أنّ دراسات أدب الأطفال على قلتها فيها تفاوت في المستوى بين الجودة والضّعف، كما أنّ هناك دراسات تستنسخ التجارب السابقة وتكرر ما جاءت به بلا وعي أو اجتهاد، وفي ذلك يقول المؤلّف:

“إنّك في سوق الكتب كثيرا ما تنجذب إلى هذه الدّراسات التي ضمتها كتب برّاقة بطباعتها الأنيقة والراقية، ولكنك تصاب بالإحباط وخيبة الأمل حين لا تجد في محتواها ما كنت تتمنى  أن تجده من جديد في الرؤى والأفكار والتحليلات …”.

كما ثمّن الكاتب الدّراساتِ والأبحاث التي اضطلع بها مؤخرا، الباحثون والدّارسون على مستوى الجامعات والكليّات المختصة في العلوم الإنسانية، والتي بحثت في أدب الطّفل، لكن تأسّف على غياب أثرها في الواقع، فلا أثر لأصحابها، ولا لما درسوه، كأنّما كان هدفهم الشهادة العلمية، ثم يضربون عن الموضوع الذكر صفحا.

وكلام الدّكتور فاضل ذكّرني بما يحدث عندنا هنا في الجزائر، على مستوى الجامعة إذ يمكن أن يعتبر نسخة طبع الأصل لما ذكره، لولا بعض الاستثناءات الرّائدة فعلا والتي يشار إليها بالبنان، وقد وجدت رعاية من دكاترة جامعيين، آمنوا بأدب الأطفال وأوقفوا عليه أبحاثهم ودراساتهم.

وفي جانب آخر ذكر الكاتب العلاقة بين ما يكتب الشاعر للأطفال وما يفهمه الأطفال ويتلقونه من هذا الشعر، ووجود نوع من التباين والتنافر أحيانا بين ما يرمي إليه الشاعر وما يفهمه الطّفل ويتذوّقه، وبالتواطؤ مع ذلك الدّراسات النقدية التي تحلّل ذلك الشعر وتقرأه بشكل سطحي انطباعي لا يغوص في العمق.

ثم التفت الكاتب إلى القصّة وقال أنّ فنّ القصّة والحكاية، أقرب إلى الطفل من فنون التعبير الأدبي الأخرى ”

ورغم أهميّة هذا الفن الأدبي وقيمته بالنّسبة للأطفال، إلا أنّه لاحظ وجود كمٍ هائل من القصص الموجودة في الساحة الأدبيّة وهي لا تمتّ للقصّة بصلة، وبعضها كتب بأسلوب عال جدا لا يتناسب مع مستوى الأطفال على اختلافه، وانتقد كذلك ما تحتويه كثير من قصص العنف المترجمة عن لغات أجنبيّة، ومدى ذلك الكم الهائل من العنف الكبير الذي تقدّمه لأطفالنا.

وبالنّسبة للمسرحية فهي في مرتبة دون الشعر والقصّة من حيث إقبال الأطفال عليها، ذلك أنّ المسرحيّة كتبت بالأساس لتمثل على الخشبة، لا لتقرأ، ولا يقبل عليها الطّفل إلا إذا مثلت، وتجسدت في عمل ركحيّ، وفي المسرحيّة ميزة مهمة جدا وهي إمكانية أن تتضمن في إطارها النّص الشعري والنّص القصصي.

لعمري هذه نظرة خبير مجرّب ومبدع متمرّس، ورجل ملمٍّ بشكل كبير بكل الفنون الأدبيّة التي توجه للطفل. وفي سؤال الختام أو سؤال الخلاصة قال المؤلّف:

ماذا نريد من أدب الأطفال؟ وماذا يريد منّا أدب الأطفال؟

وتأسّف كثيرا على الحالة التي يعاني منها أدب الأطفال في العالم العربي، وحتى بعض كبار الكتاب ينظرون إلى هذا الأدب نظرة احتقار واستهزاء أو عدم مبالاة في أقلّ تقدير، ويقول الكاتب بمرارة:

” لقد سئمنا من ذلك، هذا يقول: الكتابة للأطفال هراء ! وذلك ينفي وجود مثل هذه الحكاية، وهناك من لا يجد في أدب الأطفال أيّة فائدة وأهميّة ! ”

بعد ذلك يبين ما هو المراد من أدب الأطفال أنه يجب أن يكون أدبا ( يعيد صياغة رؤية الطّفل، وطرق تفكير الطّفل، وذوق الطّفل وسلوك الطّفل..). وفي هذا المجال ساق لنا كلمة خالدة لبيكاسو جاء فيها:

(عندما كنت طفلا حاولت تقليد الكبار، ولما كبرت حاولت تقليد الصّغار).

رضاب الكلام:

كتاب زاخر بالأفكار زاخر بالتحليلات، والنّبش في مشكلات أدب الطّفل، تنظيرا ونقدا وضربا للأمثلة الحيّة وتوضيح للرؤى ورسما للمنهج، هذا كتاب حقيق به أن يكون في كلّ جامعة من جامعاتنا العربيّة نسخا منه، فينهل منه الدّارسون والباحثون والطلبة، وأن يكون نبراسا لكلّ كاتب من كتّاب أدب الطّفل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق