ثقافة

قراءة في كتاب: للناقد عبد الله لالي رواية (المطاردون) لـلرّوائية ليندا كامل

البناء الفنّي في رواية (المطاردون)

التناص وزخم التراث:

يكتمل البناء الفنّي لأية رواية بتعدّد عناصره الجمالية وتوزّعها على صفحات الرّواية بشكل متوازن، مثل أزهار الحديقة الغناء، ويشكلّ التناص والتطعيم بالتراث أهمّ تلك العناصر الفنيّة وأكثرها جذبا وإشراقا  وقد حظيت رواية (المطاردون) بنصيب وافر منه.. !

وأكثر ما ظهر التناص مع المكوّن الديني للمجتمع، وهو أمر طبيعي ويعبّر عن شخصيّات أبطال الرواية ، كما يعبّر عن شخصيّة الكاتبة نفسها، ونشأتها الثقافية، ونذكر منه هذه الأمثلة المنتقاة من بعض مشاهد الرّواية:

تقول المؤلّفة في ص 33 :

“هم يخربون بيوتهم بأيدهم ”

وهذه العبارة لا يخفى تقاطعها مع القرآن الكريم، في الآية الثانية من سورة الحشر في قوله الحقّ سبحانه وتعالى:

“هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ”

وتقول في موضع آخر:

“ولنبدأ بأنفسنا” فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ص 37

وهذا تناص مباشر مع الآية 11 من سورة  (الرّعد).

وفي ص 36 تناص مع الحديث النبوي الشريف عندما قالت:

” نحن نشبه يا صديقي تلك السّفينة التي يخرقها أهلها ظنا منهم أنهم ناجون بفعلهم.. ”

والحديث المقصود هو قول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم:

” مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ”

وهذا الحديث ينطبق بشكل دقيق مع وضع الجزائر في الفترة التي تدور حولها أحداث الرّواية، وهي الفترة التي عانت فيها مشكلة الإرهاب والفوضى الخواف الذي أصاب النّاس، وحلّ بالمجتمع بعد الصراع السّياسي الدّامي على السّلطة. وكادت تغرق السّفينة وتطلّب الأمر أن يأخذ أهل الحكمة والرأي على أيدي السفهاء لكي لا تغرق السّفينة.. !

ومن التناص المباشر مع الحديث أيضا قول الكاتبة:

“قد وصّى الرسول صلى الله عليه وسلّم بالنساء: “رفقا بالقوارير”..”

كما أنّ هناك تناصا مع التراث العربي، مثل قول الكاتبة في ص 34:

“يكون الفيروس أكل الجمل بما حمل ”

وهو تحوير للمثل العربي المعروف: (ذهب الجمل بما حمل).

ولم يقتصر التناص على التناص الديني أو من التراث العربي، بل هناك تناص أيضا مع الثقافة العالمية، مثل قول الكاتبة ص 45 :

“أخاف، إذن أنا موجود”

والجميل في هذا التناص هو التحوير الطريف في مقولة (ديكارت):

“أنا أفكر إذن أنا موجود”

فحذفت كلمة (أفكر) واستبدلتها بكلمة (أخاف)، عندما كان محور الحديث في الرّواية وجوهره هو (الخوف). وهذا شيء بديع.. !

وتلك هي قدرة التناص على ابتداع حالات إسقاط تناصيّة جديدة على واقع معيّن مشابه، ولكن بانحراف محسوب وبزوايا مدروسة.. !

التصوير الفنّي:

وفي الرواية مشاهد وصور فنيّة جميلة للغاية، جعلت من الرواية لوحات بديعة متتابعة، ومن تلك الصور:

تقول الكاتبة في ص 20:

“كانت المرة الأولى التي ترى لؤلؤا مكنونا ينزل من بين عينيها الساحرتين، تمزق قلبك وتشتت فكرك، فقلت لها وأصابع القلق كالرصاص مصوبة نحوك تستنطقها”.

مشهد فنّي تصويري مركّب تشعر بجماله ويصعب عليك الإحاطة به، إلا إذا تفرّست في كلّ تفاصيله البهيّة : 1 – تشبيه الدّموع باللّؤلؤ المكنون 2 – العينان السّاحرتان 3 – تمزّق القلب (مجازا) ، 4- أصابع القلق التي تشبه الرّصاص.

صورة ساحرة مركّبة من أربعة مشاهد فاتنة، يدرك القارئ تأثيرها لاشعوريّا، فلمّا يعود إلى قراءتها يزداد فتنة وغرقا في الجمال السّاحر.

وفي صورة أخرى مشفّرة ومكثّفة تقول الرّوائيّة ص 20 :

“كبرت في نظرك تلك الوردة التي يجب أن تغرس في أرضك وتسقى بمائك”.

ما أجمل أن يعبّر الكاتب أو الشاعر عن المرأة بالوردة، والأجمل من ذلك أن تكون هذه الوردة في حالة نموّ مستمر، وأن تكبر في أرض من يحبّها ويرعاها، كلّ ذلك جاء في جملة من الكنايات المتتابعة والمتراصة كعقد جمان.. !

على المنوال نفسه تنسج صورة أخرى لا تقلّ عنها فتنة وجمالا، فتقول في ص 21 :

“هكذا أريني ضحكة الشمس بين شفتيك”.

صورة كأروع ما يكون التصوير الفنّي، الذي يجعل من الحروف نجوما تتلألأ في سماء النّص وتحيل المعاني إلى دفق من الشذى البهيّ .. ! خبروني بربّكم عن ضحكة الشمس التي ترتسم على شفتي امرأة يحبّها رجل مذهول بجمالها..؟ !

وحتّى العباءة التي هي في الأصل ساترة للجمال، ومانعا من ظهوره تصبح وسيلة لتخبئة الانشطار النّفسي، وصراع الذّات:

“ترتدين تلك العباءة السّوداء التي تخبئ بعضا من انشطارك”.

مشهد يترك بصمته واضحة في القارئ بلا شك ولا ريب، مشهد مزلزل يحرّك كلّ مشاعر التعاطف مع البطلة والانغماس معها في تفاصيل مأساتها الخانقة.. !

كلمة الختام:

الجميل في هذه الرواية أن تطرح إشكالية الكتابة الروائيّة، وإشكالية الطبع والدّعاية، ويكون رأي الكاتبة في ذلك صريحا وواضحا رغم قساوته (مرارة الحقيقة):

“ليجعلها في أول القائمة مهما بلغ الأمر، لقد صار زماننا قائما على مبدأ الربح وليس على نوعية المنتوج، فانتشرت في الآونة الأخيرة روايات “الساندويتش” أكثرها سوقية، إباحية، تشبه أفلام الإباحة التي تعرض على القنوات الكافرة ! ليس الهدف منها أكثر من تمزيق الأخلاق البشرية التي أصبحت على المحك، فنجد أن معظم الروايات التي يروج لها من هذا النوع، متناسين الأدب”. ص 87

روايات الساندويتش إنّها تلبي ضرورة (الجوع) الطارئ الجوع القاسي، تسكته مؤقتا  بغض النظر عن أضرارها الجانبيّة، ومضاعفاتها الخطيرة.. ! صارت الكتابة الروائية (مودة) يكتب فيها ويجرّب كلّ من أوتي حظا من لغة، ومن لم يوتَ، وانتشر البيع بالتوقيع مهما كان المحتوى والأسلوب، المهم أن يرى القارئ مكتوبا على الغلاف كلمة (رواية). وبالمقابل الرواية الجادة التي تحمل قيما ورسالة يُزْوَرُّ عنها، ولا يُلتفت إليها، وتنتقد الكاتبة ذلك بشدّة وتعلن سخطها بحنق وغضب جارف على لسان بطلتها حورية.. !.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق