ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: رواية ( قالت لي النّملة) للأديبة التونسيّة منيرة صالحي

” ولمّا رأت النّملة إعجابي الكبير بها ابتسمت في وجهي، فبان النّهار من جوف اللّيل، وأشرقت الشمس فأضاءت أوراق شجرة الخرّوب، كفوانيس في ليلة عيد ثم قالت:
-مرحبا آنستي المحترمة آنستنا وشرّفتنا بحضورك ! ” منيرة صالحي من رواية ( قالت لي النّملة).
عندما يكتب الكبار للصّغار فإنّهم يكتبون لأنفسهم بالدّرجة الأولى، وأنا أعرف هذا الشعور وتلك المتعة الفائقة حين يداعب الكاتب القلم ويخاطب الصّغار، لأنّني جرّبت ذلك الشعور بنفسي مرّات كثيرة، يوجّه الكاتب خطابه للأطفال وهو يعتبر نفسه واحدا منهم، وفي صدره طفل صغير لا يكبر أبدا .. !
عندما أهدتني الأستاذة منيرة صالحي هذه الرواية الموجّهة للأطفال اليافعين، وقرأت صفحاتها الأولى بغرض الكتابة عنها، أدركت على الفور أنّ مثل هذه الرواية الدّسمة الغنيّة بالأحداث والفنّ الجميل؛ لا يمكن أن تقرأ على عجل، ولا يمكن أن نكتب عنها قراءة عجلة، ويطوى الكتاب، ذلك غمط لحقّها وتقصير في التعريف بقيمتها الفنيّة، ولذلك أرجأتها بضعة أشهر حتى تتاح لي الفرصة المناسبة من أجل الدّخول إلى عالمها السّحري (العجائبي)، والفوز بتشريح الهيكل الفنّي المبني بعناية كبيرة ودراية عميقة. صدرت الرّواية في طبعة جميلة وغلاف خلّاب في المطبعة الثقافية للطباعة والنّشر والتوزيع (المنستير/ تونس )، في حدود 91 صفحة من القطع الصّغير، مكوّنة من أربعة عشر (14) مشهدا قصصيّا، بتصنيف رواية من الخيال العلمي للأطفال اليافعين، وهي الفئة العمرية التي تبدأ من اثنتي عشرة سنة إلى غاية ستّ عشرة سنة، وبعض المختصّين يصل بها إلى ثماني عشرة سنة، وربّما اختلف هذا التقسيم نفسه من بيئة إلى أخرى ومن جيل إلى آخر، فكلّ بيئة لها ظروفها الثقافية والاجتماعيّة المختلفة، والتي قد تجعل الطّفل ينمو بسرعة ويختزل طفولته، أو تمتدّ هذه الطفولة وتتأخّر إلى سنّ الثامنة عشرة
وروايات اليافعين فنّ من السّرد القصصي بدأ يلقى رواجا وإقبالا كبيرا من القرّاء، وكذلك اهتماما واسعا من المبدعين والنّقاد على حدّ سواء.
عند أعتاب العنوان:
لا أقول هو المدخل إلى الرّواية ومفتاحها الأساسي الذي يلج من خلاله القارئ إليها، بل أقول هو الروايةُ كلّها، فمن خلاله يمكن للقارئ أن يقرأها أو يلقي بها ظهريّا، ولذلك فالكاتب (الشاطر) من يجعل من العنوان شصَّ الصيّاد الذي يقتنص به القارئ ببراعة واقتدار، ويجعله لا ينام اللّيل حتّى يأتي على كلّ فصولها.. !
في العنوان تناص بيّنٌ مع قصّة سيّدنا سليمان عليه السّلام، في قول الله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ النمل الآية 18.
وكتابة الرّواية ذاتُها؛ عبارة عن مغامرة في عالم النّمل هو تناص موضوعي مع القرآن الكريم الذي سمّيت فيه سورة كاملة بسورة (النّمل)، فضلا عن الحادثة الحوارية التي ورد فيها حديث النّمل بلغته، وتنبيههم إلى الخطر الذي يتهدّدهم من جيش نبي الله سليمان. وفي هذا تشويق كبير وإغراء للنشء بقراءتها والإقبال على ما فيها من أحداث.
وأمر ثانٍ يتمثّل في تحوير العنوان أو مشاكلته بطريقة مختلفة قليلا، من (قالت نملة) بصيغة إبهام (المخاطَب) إذ يكون الخطاب مفتوحا، إلى تحديد الخطاب (قالت لي نملة) بحيث صار موجّها للرّاوي نفسه ـ وفي هذا الأمر لمسة فنية أخرى لإدهاش المتلقي وجعله يسعى إلى اكتشاف ما وراء هذا الحوار الطّريف، ويبقى مدلول العنوان مفتوحا على كلّ متوقّع، فماذا قالت النّملة، غير ما قالته نملة سليمان عليه السّلام..؟ !
الرواية في موجز غير وافٍ:
من الصّعب تلخيص هذه الرّواية لأنّها في كلّ صفحة منها تكتنز معرفة علمية أو مغامرة مشوّقة، أو مشهدا فنيّا ساحرا، وبطلة الرّواية فتاة صغيرة تبدو كسلانة ولا تقوم من فراشها باكرا، الأمر الذي يجعل أمّها تعاني من ذلك كثيرا وتتذمّر من ابنتها، وعندما تقبل عليها ذات صباح لتوقظها تفشل في ذلك كعادتها، لكنّها تعلم أنّها ستنهض في نهاية المطاف طال الزّمن أم قصر، فتعدُّ لها فطورها وتتركه في المطبخ.
وعندما تستيقظ الفتاة الصغيرة (شهد) تذهب مباشرة إلى المطبخ لتأكل فطورها، ويزعجها وجود النّمل في المطبخ، فتشعر بالاشمئزاز منه، وقد كانت كثيرا ما تقتل أفراد النّمل بشراسة، لكن هذه المرّة قرّرت الخروج إلى الحديقة والجلوس على كرسيّها الخشبي الطّويل الذي صنعته بمساعدة أبيها منذ مدّة طويلة، إلا أنّها تتفاجأ مرّة أخرى بأنّ أفراد النّمل تغزو الحديقة بشكل رهيب وتنخر أرجل كرسيّها الخشبي الذي صنعته، لتصنع فيه ممرّات إلى شجرة الخروب الموجودة في الحديقة.
ولكن المفاجأة الأكبر عندما تخاطبها إحدى النّملات وتسميها (شهرزاد)، وتعرض عليها أن تذهب معها في رحلة إلى عالم النّمل الكبير، وبعد تردّد تأخذ عليها وعدا أن ترجع بها إلى بيتها قبل موعد آذان المغرب أي قبل عودة أمّها إلى البيت، فتوافق النّملة وتَعِدُها بذلك، وتقوم بحملها إلى عالمها الغريب العجيب، وهناك تدخل في مغامرة عجائبيّة مدهشة بعد أن تتحوّل إلى نملة، وتتعرّض إلى كثير من المخاطر التي تكاد تودي بحياتها، وتتعرّف من خلال هذه المغامرة على كثير من أسرار عالم النّمل العلميّة، إلى أن تتمكن في النّهاية من العودة إلى بيتها في الوقت المناسب، وبمساعدة صديقتها النّملة، لتكتشف بعد كلّ هذه المغامرة الخطيرة والجميلة في الوقت نفسه؛ أنّها كانت تحلم.. !..يتبع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق