ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: رواية (قالت لي النّملة..) للأديبة التونسيّة منيرة صالحي

البناء الفنّي في الرّواية:
لكي تنجح رواية موجّهة لليافعين لابدّ من توفّر عدّة عناصر فنيّة مهمّة في المتن الرّوائي، ولا يكفي مجرّد حشد المعلومات والمعارف أو تقديم الأحداث للقارئ دون مراعاة مزاجه وأحاسيسه وشعوره وميوله المختلفة، والمستوى العمري للفئة الموجهة الرواية لها.. !
المغامرة العجائبيّة:
بني نصّ رواية (قالت لي النّملة) على عنصر فنّي مهم جدّا، وهو (الأسلوب الغرائبي أو العجائبي ) كما يسمّى أحيانا، وهو أسلوب طالما نجح نجاحا منقطع النظير في شدّ الطّفل وجذب اهتمامه، ولعلّه أنجح الأساليب في حبك المغامرات الروائيّة الموجّهة للأطفال، إذ يعطيها زخما فيّاضا من الخيال غير المحدود.. !
وتتمثّل الغرائبيّة في تحوّل البطلة إلى نملة، ودخولها إلى مملكة النّمل بحجمها الصّغير، لتتعرّف على كافّة تفاصيله، وتقع في ورطة كبيرة لا تنجو منها إلا بأعجوبة، بل إنّ العجائبيّة تبدأ قبل ذلك، عندما كانت البطلة تتأمل حشدا من النّمل داخل حديقة بيتها، فترى نملة تصفها بأوصاف لا تكون إلا للبشر من النّاس:
“نملة لا تشبه النّملات، كانت شابّة في ريعان العمر وكانت تلبس كسوة مطرّزة بالذّهب وتضع فوق رأسها تاجا مرصّعا بالجواهر يلمع تحت أشعّة الشمس ببريق أخّاذ.” ص 15.
طبعا هذه الأوصاف تضفي على النّملة صفات البشر، وتمكن الكاتبة من صناعة الأحداث التي تشارك فيها البطلة بكلّ سهولة ويسر، ومع جعل القارئ يعيش الدّهشة والاستغراب اللّذيذ، في عالم الخيال الجارف، ولا تقف الكاتبة عند هذا الحدّ من الخيال والعجائبيّة، إنّها تجعل من البطلة تتحوّل إلى نملة مثلما أسلفنا:
“وقبل أن أخطو الخطوة الأولى نحو عالم المجهول ضغطت على الزرّ الأزرق حسب تعليماتها فأصبح لوني أصفر ونبتت لي ستّة سيقان بمخالب حادّة، فقالت صديقتي وهي تكتم ضحكة بين شفتيها:
-كم أنت مثيرة في هذا المنظر.. ! ” ص 31
وعلى طريقة ألف ليلة وليلة تُدخل حكاية في حكاية، وقبل بدأ المغامرة الأساسيّة تتذكر البطلة مغامرة سابقة لها مع عالم النّمل، عندما جعلها بائع البالونات المتجول تحلّق في الجوّ وتصعد إلى السّحب، وتصف لنا السحب كأنّها كائنات حيّة فتقول:
” .. ثمّ رأيت غيوما بيضاء مرتديّة فساتين جميلة، تكلّل رؤوسها تيجان مرصّعة بالألماس ورقابها مزيّنة بعقود من اللّؤلؤ والمرجان والمعاصم تلفّها الأساور البرّاقة، والأصابع مملوءة خواتم وسلاسل خرز وحتّى الأظافر كانت مطلية بأحلى الألوان وكانت الغيوم ترقص وتغنّي والشمس شعرها الذّهبي منسدل على كتفيها …”.
إنّها الحياة البشرية بلا شك تتجسّد في ظلال الغيوم، وأشكالها الموحيّة، وهذه ظاهرة لطالما شكّلت مجالا لخيال البشر في ليالي الصّيف الجميلة، إذ يرون في كلّ من أشكالها هيئة لطائر أو بشر أو حيوان من الحيوانات أو مشهد من مشاهد الحياة المثيرة، سرعان ما تتبدّد وتزول، أو تتحول إلى مشهد آخر أكثر إثارة وجذبا “.
فالكاتبة تجعل من الكائنات الطبيعية تظهر في صورة بشر تعي وتتكلّم وتتزين وترقص وتخاطب البشر، وذلك تماما ما كان مع مشهد النّملة أيضا في هذه الرّحلة الأولى التي قدّمتها بين يدي مغامرتها العجائبيّة، وإن كانت الرّحلة الأولى أسرع وأقصر، تقول الكاتبة أيضا واصفة ملكة النمل في أعالي الجوّ:
” .. وسط النّخيل كانت تجلس نملة في أحلى حلّة وهي تلبس فستانا مطرزا بخيوط الذّهب والفضّة، وبجانبها يجلس نمّول وقد ارتدى ثيابا كثياب السّلاطين، وكان منتصب القامة مزهوّا…”
هذا التشابك في السّرد يثير القارئ ويجعل عقله يقظا، يفتّش عن السّر في كلّ مشهد وكلّ صورة فنيّة، ولا يكتفي يتلقف الأحداث مادة خاما لا روح فيها.. !
شخصيّات الرّواية:
بناء أية رواية يعتمد كذلك على نوعيّة الشخصيّات الصّانعة للأحداث، وجعلُ بطلٍ محوريّ من الأمور الضرورية في رواية موجّهة للطفل (اليافع)، فهو يحبّ البطل الخارق، البطل النموذج شبه الكامل في تصرّفاته وأعماله، وفي صفاته قبل ذلك، لأنّه يروي ضمأه للبطولة والتفوّق ومواجهة الصّعاب بطريقة (فانتازيّة) مدهشة، وجعل بطلة القصّة (فتاة) هنا ؛ له عدّة دلالات، يمكن أنّ نَعُدّ أولاها قدرة البنت على المغامرة مثلُها مثل الولد (الذكر)، وأيضا القيام برحلة في مملكة تحكمها الإناث (النمل)، يناسبه أن تكون البطلة أنثى، ويتناسب كذلك اسم البطلة (شهد) مع العالم الذي تجري فيه المغامرة، وهو عالم النّحل صانع الشهد (العسل)، فالتّسمية لها دلالة إيحائيّة كبيرة، ولها وقع في أذن القارئ (الطّفل اليافع)، إذ تحفر عميقا في ذاكرته، وكأنّه حين ينطق هذا الاسم يتذّوق العسل أو يرشف من رضابه.. !
وعززت الكاتبة شخصيّة البطلة (الأنثى) بشخصيّة الأمّ (أنثى)، غير أنّ الأمّ لا تشارك في الأحداث بشكل مباشر ولكن من خلال ما تذكره عنها البطلة ابنتها (شهد)، فتحظر شخصيّتها بظلالها المنسابة من مخيّلة (السّاردة).. !
وبعمليّة رصد بسيطة نجد تنوّعا كبيرا في شخصيّات الرّواية، – شهد: (البطلة الأساسيّة)، الأمّ، النملة رفيقة شهد في رحلتها، النّملة الملكة الأولى، ونمّول، وأفراد النّمل الآخرين، الذين كان لبعضهم أدوار فرديّة، ولبعضهم دور ثانوي أو مرحلي ضمن الجماعة العامّة ).
اختزال الزمن وأبعاد المكان:
الزمن في أحداث هذه الرّواية لا يشكل سوى يوم أو بعض يوم، إذ خرجت البطلة في الصباح إلى الحديقة، وبعد اكتشاف تجمّع النمل في الحديقة، وحوارها مع إحدى النملات، ذهبت معها في رحلة (مغامرات استكشافية) اشترطت عليها أن تعود منها قبل صلاة المغرب، وكذلك كان الأمر.
وكأنّها رحلة أصحاب الكهف بطريقة مقلوبة، إذ كان أهل الكهف نائمين والزمن يمضي بسرعة فائقة ولا يشعرون به، وفي رحلة (قالت لي النّملة) الزمن يمضي داخل الأحداث ويمتدّ بشكل كبير، لكنّه في الواقع يوم أو بعض يوم، وهذا من الغرائبيّة أيضا.
ومثلُه المكان تماما إذ يتسع ويمتد في زمن الأحداث داخل مملكة النّمل، لكن لا يتجاوز في الواقع بيت البطلة وحديقته، وهذه المحدوديّة في أبعاد المكان الواقعي يبرّرها أنّ الأحداث تتجاوزه إلى أبعاد المكان الخيالي حيث يكون رحبّا وبلا حدود…يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق