ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: رواية (المطاردون) للرّوائية ليندا كامل

البناء الفنّي في رواية المطاردون:

من الوهلة الأولى كانت الرّوائية تعرف المسار الذي ينبغي أن تتبعه في روايتها، ولذلك فضّلت أن تبدأ من مشهد الختام، على طريقة إلقاء الطعم للقارئ ثمّ تركه معلّقا، لاهث الأنفاس يبحث عن (قفلة) الختام.. !

وهذه طريقة فنيّة متبعة كثيرا فيها إثارة وفيه تشوي، وعلى هذا الأساس والوعي بتقنيّات السّرد الروائي نسجت الكاتبة جملة من العناصر الفنيّة ، التي تألّفت منها رواية (المطاردون)، ويمكن أن نذكر من هذه العناصر:

1 – الأسلوب الفنّي المنوّع 2 – التصوير الفنّي 3 – الحوار 4 – التناص 5 – الاستذكار 6 – الزخم الثقافي7 – الأسلوب الفلسفي (التحليل النفسي).

وسنأخذ كلّ عنصر من هذه العناصر بشيء من التحليل والتمثيل من المتن الروائي، حتّى نجعل القارئ أمام الإطار التفصيلي للبنية الفنيّة للرواية، وهي بنية فسيفسائية بوجه عام، لا تمشي وفقا لنمطية جامدة وإنما فيها كثير من خصائص السّرد الحيّ المحفّز للقارئ، والذي يجعله يمسك بأهداب الرواية إلى آخر أنفاسها.. !

الأسلوب الفنّي المنوّع:

اتخذت المؤلّفة ضمير الخطاب (أنتَ) حينا ؛ منطلقا لرصد أحداث الرواية وتتابعها ، وهو أسلوب يمكن (الرّاوي ) من الرؤيا الشاملة التي تعرف تفاصيل الحدث من خلال تحريك الشخصيّات بحرية مطلقة، وهي طريقة لها حسناتها الكثيرة، كما لها مؤاخذات  أشار إليها النّقاد ، ومن أهمّها إقحام الكاتب نفسه في تفاصيل الرواية، ليشكل أحد شخصياتها ولو على لسان أحد أبطالها ومن المفترض أن يكون خارج النّص، لكن هذه وجهة نظر لا يُسَلّم لأصحابها بصوابيتها. لأنّه ليس حتما لازما أن يكون المؤلّف خارج النّص.  وكانت أحيانا تتخذ أسلوب مخاطبة الغائب ( هو أو هي )، أو الرّواي الحرّ الذي يتحدّث عن جميع الأحداث بأسلوب الشاهد ( العارف )، فعندما تتحدّث عن مراد تقول:

” عندما حصل مراد على العمل، فُتحت أمامه الأبواب المغلقة، تمكن خلالها من جمع المال الكافي للزفاف، قدم أهل القرية مساعداتهم، عادات حميدة تزخر بها القرية التي ما تزال متمسكة بعاداتها وتقاليدها الأصيلة. ” ص 51

تقنية الحوار:

وقد تضمن الأسلوب نسبة كبيرة جدا من الحوار، هذا الحوار تبدّى في كثير من مشاهد الرّواية وشكّل أحداثها، وتفرّع إلى نوعين:

حوار مع الآخر: وهو أغب ما جاء من حوار في الرواية، ودار بين كثير من أبطالها، ولكنّه في الغالب بين حورية ومراد. وحوار مع الذّات مثل حوار مراد مع نفسه:

” كيف لتلك المرأة التي تشبه الوردة أن تطير من بين أناملك التي ألفت حضورها ؟ وعيناك اللّتان لا ترى في الوجود غيرها أميرة الأميرات لا تضاهيها امرأة، تشبه حلما جميلا لا ينضب، وكأنك تريد لفها في قطن، لتراها بين الفينة والأخرى حين يداهمك الشوق.. فقط لتغسل عينيك بماء وجهها وتنطلق كالفرس الجموح لخوض غمار الحياة الشاقة “.

ولا تكاد تخلو رواية من (حوار)، بل يعدّ الحوار أحد المكوّنات الأساسيّة للسّرد الروائي، ويكون ناجحا وفعالا إذا استطاع المؤلّف أن يجعله ( مثيرا، مؤثرا، يبني من خلاله الأحداث، يتعرّف القارئ (المتلقي) من خلاله على طبيعة شخصيّات أبطال الرّواية، يثير إشكالات.. )  وأهمّ من كلّ ذلك أن يجعل المؤلّف من الحوار (سردا غير مباشر).

الاسترجاع:

وهو نوع من الحوار الذّاتي أو حوار مع (الماضي) لاسترجاع تفاصيلها ومقارنتها بالحاضر أو بما سيحدث مسبّقا، وهذه طريقة لتنويع الأسلوب وتطعيمه بما يخرج عن السّرد الروتيني ، وربّما كانت الرواية كلّها عبارة عن عملية استرجاع ومثال على ذلك:

” تتذكر عمي السعيد الرجل الذي حمل البندقية أثناء الثورة ضد المستعمر، تسلق الجبال فصار خبيرا بالمخابئ السرية للمجاهدين، يجلب لهم المؤن، ويأتيهم بأخبار عن المستعمر، وتحركاته.. كان ازدواجي الشخصية يقال له “جوني” عند فرنسا، ويقال له السعيد الرُجلا عند المجاهدين.. رقّاه الجنرال بيغو فجعله الأمين العام على أمواله في وطنه..  ”

الزخم الثقافي:

تعجبني كثيرا الرّواية الثريّة ثقافيّا، التي أجد فيها حشدا من المعارف المتنوّعة التي تجعل منها حديقة غناء لا توفّر المتعة الفنية وحسب بل تثري قاموسي الفكري، وخزانتي الثقافية، وفي رواية  (المطاردون) يتوفّر كلّ ذلك بالشكل المطلوب، ففي كلّ منعرج من معرجات السّرد أو الحوار يفاجئك شخوص الرّواية بتلك المتبّلات الثقافية.

في بداية الرواية وفي ص 9 تحديدا تقول المؤلّفة :

” لى إيقاع الحزن يلملم شتات آهاته، حين قال “نتشه: ” “الأخلاق الفاضلة أثواب تمزقها الضرورة”.

هذا الاستدلال على الواقع القاسي الذي يغيّر أخلاق النّاس، برأي الفيلسوف الألماني (نيتشة)، يشعر القارئ أنّه مقبل على رواية على مستوى ثقافيّ عال .. !

وهذا ما نلمسه أيضا في عدّة محطّات أخرى من الرّواية مثل قولها في ص  12 :

“لا شيء يبعث في المرء الشجاعة أكثر من الخوف” كما قال: أمبرتو إكو  ”

وقالت في صفحة 55 :

“يقول “غاندي”: الجمال الحقيقي أن تقدم الخبز لمن مسك بالسّوء”.

وفي ص 57 تقول:

“رجل ذو كرامة، تعانقك أفكار أفلاطون وسقراط “.

هذه نماذج قليلة فقط من الحشد الهائل الذي شحنت بها الكاتبة روايتها، وجعلت منها رواية تعجّ بالثقافة والمعرفة، بل إنّ موضوع الرواية نفسه يمس جانبا هاما من جوانب الثقافة، وهو الرّفع من مستوى البطلة التعليمي ومساعدتها من طرف (خطيبها / زوجها فيما بعد)، على تنمية مواهبها الثقافية بقراءة الكتب والروايات عندما قدّم لها رواية (الهارب)، ثمّ لما بدأت هي في مرحلة لاحقة من الولوج إلى عالم الكتابة، وتأليف رواية نقلتها إلى عوالم الشهرة والتعرّف على الوسط الثقافي من أبوابه الواسعة…يتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق