ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: ( معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين ) للدّكتور عبد الملك مرتاض

سرقة مخطوطة الشيخ الإبراهيمي

تُعجبني في الكِتاب هوامشُه الدَّسِمة ، وأحيانا أجد في الهامش ما لا أجد في المتن، وقد كتبتُ ذاتَ يوم عن رسالة الغفران بتحقيق عائشة عبد الرّحمن (بنت الشاطئ)؛ أنّني استفدت من هوامشها أكثر مما استفدت من الرِّسالة نفسِها، وتزداد قيمة الكتاب إذا كان المتن والهامش ثريين ثراء يُتْخِمُ القارئ ويجعله يقرأ على مهل وببطء مخافة البَشَم .. ذلك ما وجدته في كتاب (معجم الشعراء الجزائريين)، دسامة في المتن والهامش معا، وتعجبني الهوامش التي يذكر فيها تصويبا لغويّا، أو نادرة أدبيّة عن شعراء الجزائر وأدبائها، وأكاد أقول أنّي عثرت بكنز ثمين، أو طُرف عزيزة.. !

من تلك الهوامش الرّائعة ما ذكره في ص 172 عن رواية الثلاثة للشيخ البشير الإبراهيمي، وهي رواية حقيقة لم تحظ بالعناية اللازمة والاهتمام الذي يليق بها أدبيّا وتاريخيّا، يقول الدّكتور مرتاض، أنّ الشيخ الإبراهيمي لم ينشر رواية الثلاثة، ولم يأذن بطبعها ولا بقراءتها كاملة لما فيها من نقد لاذع لبعض الأشخاص، وذكر بعض الألفاظ المفحشة التي كان يقتضيها المقام، كما يقول ..

وذكر أيضا في هذا الهامش الطريف أنّهم ” كانوا يوما مع الشيخ في مناسبة جمعتهم وكان الشيخ لا يسمح بأن تغادره محفظته البالية، فتلطّفوا له حتّى صرفوه عن محفظته فألهاه بعضهم بالسؤال وطلب العلم، وانبرى آخرون يكتبون نصّ المسرحيّة، كلًّا يكتب أوراقا (وكانت أوراقا غير ملصقة ولا مَخيطة)، إلى أن أنهوا كتابة النّص.. ”

هذا الهامش على قِصَرِه فيه معلومات كثيرة وقيّمة، أهمّها أنّ الشيخ الإبراهيمي رحمه الله تعالى، كان لا يحبّ أن ينشر نصّ رواية الثلاثة المسرحية في حياته، لأنّ فيه سخرية ونقدا مقذعا (أحيانا) لبعض الشخصيّات المعاصرة، ولكنّه يُسمِع أصحابَه منها الأبيات القليلة بين الحين والحين، ولولا أنّ الشيخ نعيم النعيمي وأصحابه احتالوا عليه لنسخ النّص لربّما كان ضاع، ولغاب في طوايا النّسيان..

ورواية الثلاثة مسرحيّة شعريّة للشيخ البشير الإبراهيمي متفكها فيها، جاءت فيما يقارب التسعمائة بيت، وجعل أبطالها ثلاثة من رجال التعليم التّابعين لجمعيّة العلماء الجزائريين، وَوَصَمَهُم بالبُخل والشح، وهما خُلُقَان لطالما وُصِما بهما أهل التعليم، لاسيما من كانوا من مُعلّمي الصِّبيان، وقد أراد هؤلاء الثلاثة كتابة رسالة للشيخ الإبراهيمي وهو المنفي بـــ ( آفلوا )، فاختلفوا فيمن يشتري طابع الرسالة من حرّ ماله، ومن أبيات تلك الأرجوزة الرّائعة قوله:

إلى الفَتَى عَبْدِ الحَفيظِ الجنَّانْ * * أَدامَهُ المَولى الحَفيظُ المِنَّانْ

مُؤدِّبِ الصِّبيانِ في مَدْرستي  * *  و حَامِلِ الأَثقالِ من غطرسَتي

مَسْكنُهُ في زَنْقةٍ لا تُعرفُ  * *  إذْ طُمِسَتْ من جَانِبيْها الأَحْرُفُ

وَوَسْمُهُ إِمساكُ قَرنِ الثَّورِ  * * في يدهِ كَنَافخٍ في الصُّورِ

وهذهِ عَلامَةٌ مُنفَصلِه * *  تتْبَعُها عَلامَةٌ مُتَّصله

الأحكام المطلقة في النقد

تشدّني كثيرا الملاحظات النقديّة التي يوردها شيخ النّقاد الجزائريين عبد الملك مرتاض مُصَدِّرا بها حديثه عن تراجم أولئك الشعراء الذين يكتب عنهم، وأحيانا يذيّل بها تلك التراجم، أو يجعلها في صلب الترجمة، متوسّعا فيها مرّة ومقتضبا مرّات، وقد استوقفتني ملاحظة دقيقة وصائبة حين ترجم للشاعر ( أنزار نجيب  1966 م )، إذ قال:

“ذكر في بعض ترجمة حياته أنّه (من أهم الأصوات الشعريّة في الجزائر) وعلى الرّغم مما في هذا الحكم من تعميم ومبالغة، لأنّه يفهم منه أنّه من أهمّها بالقياس إلى جميع الشعراء الجزائريين في النّصف الثاني من القرن العشرين على الأقل، وهو حكم غير مؤسّس ولا يجوز العمل به في تصنيف الشعراء الجزائريين في القرن العشرين.. “، وهذا كلام لا غبار عليه، بل إنّه أصاب كبد الحقيقة وقلبها، ووضع النقاط على حروف النّقد الموضوعي الصَّحيح..

ولكنّه بعد بضع صفحات فاجأني بحكم قيمي يكاد يكون مطلقا، لم يرقني ولم أستسغه، ولَحَظت فيه شيئا من المجاملة – ربّما لصديق قديم وعزيز صار في ذمّة الله – ولا أقول ذلك من منطلق تحامل مسبق، أو معرفة قيمية بذلك الشاعر جعلتني آبى أن يخلع على إحدى قصائده تلك الصّفة والميزة التي خصّها بها الدّكتور مرتاض ، وهو على جلالة قدره وعظيم مكانته ؛لم يقنعني بذلك الحكم، وآسفني ذلك كثيرا لأنّ شيخ النّقاد الجزائريين يكون في الغالب عندي قوي الحجّة شديد الإقناع.. !

عندما قرأت القصيدة التي تحدّث عنها المؤلّف وجدت فيها هيكلا مفكك الأوصال، متباين الأفكار والمعاني، غائم الرؤى في كثير من المواضع، لا يرقى بأيّة حال إلى المكانة الرفيعة التي أحلّها إيّاها، ورحت أقرأها ثانية، فما وجدت لها مَساغا في ذوقي، ولا تقبّلا عندي، وهذا مقطع من تلك القصيدة الحرّة، ليشاركني القارئ الرأي والحكم، والقصيدة لمحمّد الصّالح باوية ( 1930 – 1996 م ) بعنوان (ساعة الصفر ) :

المدى والصّمت والرّيح

تذرّي رهبة الأجيال في تلك الدّقيقة !

قطرات العرق الباني: نداءْ

وسلال مثقلات بالحقيقه

الأسارير أخاديد مطيرة

ثورة خرساء؛ أهوال مغيرة

لون عُمْق يتحدّى في جزيرة

الأسارير صدى حلم تبدّى

في الجباه السمر يوما فتجعّد …” ص 291

هذه القصيدة يقول عنها المؤلّف فيما يشبه الحكم المطلق الذي نهى عنه آنفا:

” … وقد تكون قصيدته ” ساعة الصفر ” أجمل قصيدة قِيلت في ليلة الفاتح نوفمبر، حتّى الآن. كما هي أحدث قصيدة وأجدّها كتابة في نوعها أيضا…”

و(قد) هنا كما هو معروف وعلى رأي مرتاض نفسه، لا يفهم منها المقاربة بقدر ما يُفهَم منها الإطلاق والتعميم، وأنّى يحظى الشاعر بذلك وقد بزَّه من قال:

نوفمـــبر جلّ جلالك فينا  * ألست الذي بث فينا اليقينا؟

سَبَحنا على لجج من دمانا* و للنصر رحنا نسوق السّفينا

و ثرنا ، نفجر نارا و نورا *  و نصنع من صلبنا الثائرينا

و نلهم ثورتنا مبتغانا * فتلهم ثورتنا العالمينا

و تسخر جبهتنا بالبلايا*  فنسخر بالظلم و الظالمينا

أمّا القصيدة التي تحدّث عنها الدّكتور مرتاض ففيها جملة من العيوب في التناسق اللّفظي والمعاني، تنزل بها عن المرتبة التي أحلّها إيّاها، بل وتجعلها مجرّد محاولة متوسّطة لتمجيد ذكرى خالدة، ومن تلك العيوب نذكر قوله:

قطرات العرق الباني: نداءْ

الصياغة اللُّغوية هنا لا غبار عليها، لكنّ مأخذنا الأوّل على: برودة البيت مقارنة بثورة عظيمة مثل ثورة أوّل نوفمبر، إذ يجعلنا ذلك البيت نتخيّل أناسا يَبْنُون وتَسيل من جباههم قطرات العرق، فتكون تلك القطرات بمثابة نداء يستصرخ الأمّة للنهوض والمقاومة، ولو جَعَل بدل قطرات العرق قطرات الدّم، بل شلّاله، وبَدَل الباني ( المزلزل ) وبدل النداء ( الصراخ ) المدوّي لكان ذلك أشبه بصوت الثورة ومشهد الجهاد العظيم.. !

وقوله أيضا: “وسلال مثقلات بالحقيقه ”

وتخيّلوا معي حقيقة ثورة ملعلعة تهتز لها جوانب الأرض وتبرق السّماء ، تظهر للنّاس على هيئة حقيقة في سلال، كأنّها بصل وطماطم تمّ جنيها من حقل قريب .. !

وهذا الشطر أيضا :

الأسارير أخاديد مطيرة

فيه معنى لطيف (الأسارير) مبتهجة يلوح من خلالها البشر والفرح، ويأتي بعدها المطر والخير، شيء يسرّ ولا يضرّ، لو كان في زمن الدّعة والسّلام ، وأيّام الاستقرار والحريّة، لكن أن تكون الأسارير مطيرة أخاديدها ؛ هذا أقلّ بكثير من بركان يتفجّر من تلك الأخاديد، وثورة عاصفة تهزّ عروش الظالمين .. !

على كلّ حال هذه وجهة نظر لا أدّعي أنّها تأتي بالحقيقة المطلقة، إن هي إلا اجتهاد ومحاولة للفهم، وعهدي أن شيخ النّقاد ذو إقناع وبرهان لا يُرتاب فيه، ولكن عسر عليّ هضم هذه .. !…يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق