ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: (معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين) للدّكتور عبد الملك مرتاض

الأديبة زينب الأعوج

وضع شيخ الأدباء والنّقاد الجزائريين عبد الملك مرتاض الأديبةَ زينب الأعوج في ميزان النقد، وراح ينخل نتاجها الشعري الأوّل معتمدا على ديوانيها الأوّل والثاني (يا أنت من منّا يكره الشمس ؟ )، وكان ميزانه لا يمين، وغرباله لا يمسك السّاقطة، وإنما يمحّص الشعر تمحيصا، رغم حرج الإهداء، وحاجب العلاقة المسبقة التي قد تلجم اللسان.. !

وساق المؤلّف نماذج من شعرها الذي في فترة السبعينيات، حيث كان الشعر الإيديولوجي هو السّائد والطّاغي على السّاحة الأدبيّة، وتدلّ تلك النّماذج الذي اختارها عبد الملك مرتاض على ضحالة إبداعيها الشعري، وخوائه نصوصها من المسحة الإبداعيّة، وهذا مثل مما اختاره في كتابه (معجم الشعراء .. ):

” لا تسألوني عن زماني.. سادتي الحكماء

فالحكمة الرّصينة لم تعد تشفي طفلا جائعا

لم تعد توقد شموعا بيتها برد الليل والأرياح

والزوابع الرّمليّة ..”

نقد النقد وتأجيج الكتابة

النقد إزاء النّص بمثابة الملح للطعام، والبهار الذي يُضفي على الإبداع نكهة خاصّة، ويُسيل لعاب القارئ، ويحفّز المبدع على التنويع والتجويد في مطبخه الإبداعي، فيخرج للنّاس أشكالا وألوانا تَسُرُّ الناظرين..

ويأتي من وراء كلّ ذلك أحيانا ما دُرَجَ على تسميته بــ (نقد النقّد)، فيزيد الإبداع إثارةً، ويُلهِب أتونَه فيتأجج، وينفي خبثه فيأتلق ويتلألأ، نقد النّقد كلمة إزاء كلمة قيلت في حقّ نصّ ما، فيها مَيْن أو حَيف، وربّما فيها نفخ في رماد وتلميع لنحاس صدئ..

في كثير من تعليقات عبد الملك مرتاض على الشعراء الذين وضعهم تحت منظاره النقدي، قبل أن يبسط الكلام في ترجمة سيرهم الإبداعيّة، آراء  نقديّة تثير الجدل وتحفّز المرء على الرّد والمناقشة، ومن ذلك نقده لإبراهيم رمّاني الذي كتب عن الشاعر العربي دحّو، إذ قال مرتاض:

” لم يعجبني نقده الذي كتبه عنه؛ على الرّغم من أنّني معجب إعجابا لا حدود له بما يكتب رمّاني من نقود، لأشعار أخرى، ولعلّ قرب الدّار، ودنوّ المزار ، بين الأديبين حملا الصّديق إبراهيم رماني على أن يقول قولا لا يرعوي فيه، والتهجّم يبدأ من عنوان مقالته ” بحثا عن الشعر المفقود في مجموعة ” تعال أيّها الطوفان ” ونحن نعلم أنّ الشعريّة الكاملة لا توجد حتّى في شعر المتنبّي ..” ص 396.

ويستوقفني في هذا التعليق النقدي على ناقد آخر، هو إبراهيم رمّاني جملة أمور أذكر منها:

بداية أعتبر نفسي أنّ لي أنا أيضا صلة ما بالناقد الأستاذ إبراهيم رمّاني، فقد كان يدرسّني في مرحلة الثالثة ثانوي أخوه، الأستاذ الفاضل محمّد رمّاني، وهو أوّل من علّمنا المنهجيّة العلميّة في النقد، وفي تحليل نصّ أدبي، وقد تناهى إلى مسامعنا ونحن ندرس عنده مفتونين ومنبهرين؛ أنّ كتابا صدر في النّقد لأخيه الأستاذ إبراهيم رّماني، فسارع كثير من طلبة صفّنا إلى شرائه وقراءته، ربّما حبّا في اكتشاف عالم آخر له صلة بأستاذنا الكبير محمّد رمّاني، ولا نزال إلى اليوم نَدين له بكثير مما عَلَّمَنَاه.. هذه واحدة أردنا نملّح بها حديثنا قبل الولوج إلى عالم نقد النقد، الذي فتح لنا الشيخ مرتاض أبوابه المشرعة، فقد كنت أميل في قراءتي النقديّة إلى توظيف الانطباع الشخصي، والاستطراد والخروج على النّص – جريا وراء القلم  وانقيادا لوحي اللحظة –  ويرى بعض أصدقائنا أنّ ذلك قد يُخلّ بالنقد ويخرج به عن سياقه المنهجي والعلمي.. وكنت أقول دائما أنّني أكتب على سليقتي ولا أحاول الالتزام بمنهج علمي صارم، وإن كنت على دراية به قدرة بمعالمه، لكنني أحبّ ما يكون مزيجا بين النقد والإبداع، الذي يسرّ صاحب النّص المنقود وينفعه، ويفيد القارئ ويمتعه في آن..

وقد رأيت شيخ النّقاد – أمدّ الله في عمره وبارك في عطائه – يأتي هذه السيرة ويقترفها قبلنا، وربّما حتى قبل أن نخطّ حرفا واحدا في أبجديات النّقد، فهان علينا طريقنا وزاد استبانة ووضوحا، وإن سخط غيرنا هذا النهج وعدّوه حَيْدَة عن السبيل السَّويّ في النقد العلمي الأكاديمي، فلهم دينهم ولنا ديننا ..

وعودة لشيخ النّقاد إذ يعتب على إبراهيم رمّاني قسوته على الشاعر العربي دحو، إذ نفى عنه الشاعريّة بداية من العنوان، حيث قال : “بحثا عن الشعر المفقود في مجموعة ” تعال أيّها الطوفان “، فهو ينفي عنه الشعر بتاتا، وهذا حكم موجع بلا شكّ، وأرجع مرتاض سبب ذلك إلى المجاورة في الدّار ودنوّ المزار كما قال، وكأنّه قال ما ترجمته أنّ “العربي دحو ابن الحي وزمّار الحي لا يطرب” كما هو معروف لشدّة الألفة له، وكثرة سماع نغماته، فكأنما هي تَبلى عندنا ونملّها ونطّرحها، حتّى وإن كانت في مثل جودة سمفونيّات بيتهوفن .. !

وهذا لعمري على جانب كبير من الصّواب، ولكن من منظور آخر قد يُتَّهم الناقد القريب الدّار من المنقود بالانحياز إلى الجار الجُنُبِ، والتعصّب للقريب، وعدم الموضوعيّة والصرامة في النقد، ومن جانب ثالث أيضا نقول أنّ الدّكتور مرتاض نفسَه ألفى العربي دحّو يطّرح الشعر ويهجره بعد أن صدر له منه ديوانان ( ذاكرة الظّلّ الممتدّ / وتعال أيّها الطوفان ). ! وقال عن ذلك أنّ البحث الأكاديمي شغله عن كلّ ذلك، وهل يشغل الشاعر الفحل عن شعره شيء .. ! إذاً هو عذر الصّديق للّصديق، ولعلّ أن يكون إبراهيم رمّاني قد أصاب فيما رآه بمنظار المستقبل، ونظرة الناقد المستشرف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق