ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: (معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين) للدّكتور عبد الملك مرتاض

كتاب نفيس وسفر حافل أعارنيه الصديق الأستاذ المؤرخ عبد الحليم صيد، وحظني على قراءته والكتابة عنه، ووجدت في نفسي لذلك قبولا، وعليه إقبال لاسيما أنّ الأستاذ عبد الحليم أخبرني أن له عليه تعليقات مهمة بقلمه، فازددت لذلك تحمسا وبه احتفاء.

وكان أن قرأت أوّل ما قرأت في الصفحة الدّاخلية لغلاف الكتاب أن الكتاب كان في الأصل ملكا للأستاذ محمد قويدري (الباحث في التاريخ والمفتش الوطني في القضاء)، وقد أهداه للأستاذ عبد الحليم وكتب له الإهداء على هذه الصفحة، وعليه الختم الشخصي للأستاذ محمّد قويدري، وكتب الأستاذ عبد الحليم صيد على الصّفحة المقابلة اسمه كاملا:

(عبد الحليم صيد بن سعد بن عبد الحميد بن أحمد بن سعد بن السّعيد العمري الجنحاني)، وهذه طريقة الأستاذ عبد الحليم في التعريف بنفسه، وهذا عمله في كتابة تاريخ الأعلام وتاريخ المنطقة، وأجد في ذلك إحياءً لفضائل الأقدمين ومآثرهم تحمد له ولكلّ من ينحو ذلك النحو..

عود إلى الكتاب:

الكتاب سفر ضخم يقع في أزيد من ستمائة صفحة (604)، من الحجم الكبير، طبع في (دار هومة للطباعة والنّشر والتوزيع) عام 2007 م، في حلّة جميلة وجذّابة تليق بموضوع الكتاب وبمؤلّفه.. وقد بدأت كعادتي في تصفّح الكتب قبل قراءتها؛ بقراءة شيء من المقدّمة ونتفا من هنا وهناك من صفحات متنوّعة.. وما أغراني بالكتاب أكثر وهزّني طربا قراءتي لبعض الآراء النقديّة للمؤلف في ثنايا الترجمة لهؤلاء الشعراء، ما يجعل من الكتاب مادّة نابضة بالحياة ضاجة بالفكر والرأي الحصيف، لا مجرّد ترجمات مبتسرة لشعراء من المشهورين وأكثرهم المغمورين..

آراء نقديّة ومنهجيّة في مقدّمة ذهبيّة

المقدمة الذهبية..

إذا كان عنوان أي كتاب هو مفتاح الولوج إليه، فإن المقدمة هي باب ذلك الكتاب، والمدخل الحتمي لأسراره ومخبّآته، وقد اشتهرت كثير من مقدمات الكتب حتى صارت كأنها كتب مستقلة بذاتها، مثل مقدمة ابن خلدون في علم الاجتماع ومقدمة ابن الصلاح في علم مصطلح الحديث، ولذلك يحتفي الكُتاَّب بمقدمات كتبهم أيما احتفاء ويولونها الأهمية القصوى..

وفي مقدمة كتاب (معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين) للدّكتور عبد الملك مرتاض مقدمة ذهبية وتأصيل نقدي قيّم ينبغي النظر فيه.. فقد تحدّث الدّكتور مرتاض في مقدّمته التي سمّاها استهلالا؛ عن قضيّة الجمع بين الشعر والنثر لدى كثير من الأدباء، وقال أنّ جلّ الشعراء يكتبون النّثر ولكن عرفوا بالشعر أكثر، في حين أنّ كثيرا من الكتاب لهم قدرات أدبيّة على كتابة الشعر ولكنّهم ليسوا شعراء ولا يعدّون أنفسَهم شعراء، كما تحدّث عن تساهله في المقاييس الشعرية بالنّسبة لشعراء فترة الاستعمار، وعدم اشتراط وجود دواوين مطبوعة، بسبب ظروفهم، واكتفى بثلاث قصائد جيّدة لهم ..

بينما اشترط في فترة الاستقلال أن يكون للشاعر ديوان مطبوع، واعتذر عن عدم ذكر الشعراء الذين لم يجد لهم دواوين بين يديه، ووعد أن يدرج أسماءهم في طبعات لاحقة للكتاب، كما اعتذر أيضا عن عدم ذكر بعض الشعراء في فترة ما قبل الاستقلال، رغم توفّر شعرهم الجيّد لديه، إلا أنّه لم يجد لهم ترجمة، إذ اعتبر أنّه ليس من المنهجي أن يذكر شاعرا ليس له ترجمة، ولا يعرف إلا اسمه.. وهذه منهجيّة دقيقة في تأليف هذا المعجم، رغم أنّه قد يُختلف معه حول بعض المقاييس، مثل ضرورة وجود ديوان مطبوع في عهد الاستقلال، فكثير من الشعراء الجيّدين لم يوفّقُوا إلى طباعة دواوينهم، لقلّة ذات اليد، وعدم اهتمام المؤسسات الثقافية بهم، ولأنّ لهم من الأنفة والكرامة ما يجعلهم لا يحبّون بذل ماء وجوههم لدى أصحاب الشأن وأهل القرار..

واعترفَ الدّكتور مرتاض بشكل صريح وواضح أنّه ليس شاعرا ولا يتمنّى أن يكون شاعرا رغم أنّه كتب كثيرا من الشعر في بداية مشواره الأدبي، ويبدو أنّه انتهى إلى هذه الحقيقة مثلُه مثل كثير من الكتّاب الذين يبدأون في أوّليتهم بكتابة الشعر، ثمّ تظهر لهم الحقيقة السّاطعة فيما بعد أنّهم ليسوا شعراء، ويقول في ذلك بكلّ صدق وجرأة معهودة فيه :

“وقد كنّا نشرنا، نحن أيضا، في الأعوام السّتين أشعارا كثيرة في جريدة “الشعب”ومجلّة” المجاهد” الأسبوعيّة، مع أننا نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا في طبقة الشعراء وأن لا نكون منهم، ولا نُحشر معهم يوم القيامة: ليس تعاليا وتشامخا، ولكن عجزا وإقصار ا”.

هذا لعمري النّقد المنصف والقول الفصل في مقياس الشاعريّة، إذ يعلم المبدع نفسه إن كان شاعرا أم لا، ويحكم على نتاجه الإبداعي بلسانه قبل أن يحكم عليه غيره، وما يقال في الشعر ينسحب على كلّ مجال من مجالات الإبداع.. !

وقضيّة أخرى هامة ومحزنة ذكرها شيخ النقاد والأدباء الجزائريين في (استهلاله)، إنّها قضية الإقصاء والتهميش الذي مسّه من جهات عديدة، وبعضهم ممن يصحّ القول فيهم:

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة * * على المرء  من وقع الحسام المهنّد

حيث ذكرهم بالاسم وهم من أصدقائه وأصفيائه، ومن ذلك جاء قوله في استهلاله:

“وأخشى ما أخشاه أن لا يكون أيّ ردّ فعل، بعد صدور هذا الكتاب، لا بالذّم والقدح، ولا بالمدح والتنويه..وهي سيرة منتظرة في بيئة ثقافية تكابـد القحط والإمحــال، وتعاني الضَّحــالة والإجداب “.

وهذه حقيقة مؤسفة فعلا ذكرها الكاتب قبل صدور الكتاب في هذا الاستهلال، وكان يتوقّعها ويتوجّس منها، ولمست أثرها بنفسي، فبعد طبع الكتاب بعشر سنوات؛ لم أجد من كتب عنه في الشابكة إلا النزر اليسير، مثله مثل أي كتاب آخر لكاتب مغمور..وأسفا.

وما راقني في هذه المقدّمة التأصيليّة أيضا هو تصريحه بأنّه لم يقتصر على مجرّد العمل المعجمي، والتسجيل الآلي لسير الشعراء والاستدلال بنماذج من أشعارهم، بل لجأ إلى أكثر من ذلك وأجود منه، إذ جعل النّقد يحضر بقوّة من خلال الحديث عن سير أولئك الشعراء، ويضع لهم تقييما لمكانتهم الشعريّة، ومستواهم الإبداعي وهذا أمر ممتاز فيه غنى وثراء، وإضافة مميّزة في السّاحة النقدية….يتبع

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.