ثقافة

قراءة في كتاب للناقد عبد الله لالي: (هجرات سكّان وادي سوف إلى مدينة بسكرة خلال القرن العشرين) للباحث محمّد الصّالح حثروبي

فصول ثريّة وحافلة:

خصّص المؤلّف محمّد الصّالح حثروبي الفصل الأوّل من كتابه (هجرات وادي سوف إلى مدينة بسكرة خلال القرن العشرين)؛ للحديث عن (أسباب هجرات سّكان وادي سوف واتجاهاتها)، ومن النّاحية العلميّة هذا الأمر منهجيا لابدّ منه، وضرورة من ضرورات البحث التاريخي، فكلّ ظاهرة نزوح أو هجرة بشريّة لها أسبابها ودوافعها، وقبل ذلك لابدّ من التحديد الدّقيق لمسمّى منطلق الهجرة وموقعه الجغرافي وطبيعة أرضه وخصائص ساكنيه، ومن ثمّ راح الكاتب يتحدّث عن أصل مسمّى (وادي سوف) فذكر عدّة روايات مختلفة لهذه التسميّة بشقيها (وادي / سوف)، وبعدها عَرْضِها؛ رجّح منها الرّواية الأكثر قبولا بحسب ما توصّل إليه من بحث، عندما قال:

“وأقرب الأقوال أنّ سوف نسبة إلى الكثبان الرّمليّة المنتشرة بكثرة في فهذه المنطقة ، والتي تسمّى بلغة السّكان إلى اليوم بــ (السّيوف) جمع “سيف” ثمّ حذفت الياء لكثرة الاستعمال فأصبح يقال لها “سوف “. ص23.

وهذا الترجيح راقني كثيرا وقد كنت أسمع من بعض النّاس أنّ التسمية هي مزيج بين العربيّة والأمازيغيّة (وادي) ومعناها ظاهر في العربيّة، وكلمة (سوف) بالأمازيغيّة ومعناها كذلك وادي  وعجبت كيف يسمّي النّاس مكانا بهذه الطريقة (وادي وادي)، وهذا غير منطقي ولا معقول.. ! لكن أحيانا الرّوايات الشعبيّة تأتي بالعجائب.

بعد ذلك حدّد المؤلّف الموقع الجغرافي لمنطقة وادي سوف، وبيَّن مجالها الفلكي وحدودها الجغرافية، واستدلّ بمقولة طريفة لمؤرّخ سوف الشهير؛ الشيخ العدواني، تحدّد أهمية موقع وادي سوف ومكانته في ذلك النطاق الجغرافي :

“ونحن نزلنا أرضا خالية من بين ثلاثة أوطان، الزّاب للطّعام والجريد للتّمر، وواد ريغ للصّوف”

وبعد أن ذكر مناخه تحوّل إلى الحديث عن أصل السّكّان وأنسابهم، وقال أنّ أغلب قبائل سوف المهاجرة يرجع إلى:

-عدوان

-وطرود

-وبني سليم

-وبني هلال

ويرجعون جميعا إلى (قيس عيلان) الذي يتصل نسبهم إلى العرب العدنانيّة وهذا فرع النبوّة المحمّديّة المباركة، ثمّ فصّل في نسب كلّ هذه القبائل. ثمّ تعرّض إلى الحديث باختصار عن طبيعة حياة سكّان وادي سوف، ووضع المؤلّف جدولا مفصّلا ذكر فيه بلدات وادي سوف مثل (الوادي / قمار / الزقم /تغزوت … ) وتركيبة سكّان كلّ بلدة من حيث القبائل والأعراش.

ثمّ عرج على التطوّر التاريخي الذي مرّت به منطقة وادي سوف، منذ القديم مرورا بالفتح الإسلامي والوجود التّركي إلى الاحتلال الفرنسي، وفي هذا السّياق ذكر تعليقا للرّحالة ابن الدّين الأغواطي جاء في رحلته عام 1826 م حول ميزات وخصائص وادي سوف ، فقال عنهم:

ولا يخضع وادي سوف إلى حاكم، وهم يتكلّمون العربيّة وأهل سوف يتمتّعون باستقلال كامل ولم يطيعوا أبدا أي سلطان… ”

وهذه الخصائص تدلّ على الطبيعة التي تميل إلى الحريّة والاستقلال، كما أنّ لسانهم أقرب إلى اللّسان العربي المبين، ولا يزالون كذلك إلى اليوم، كما ذكر في السّياق نفسه مساهمة سكّان وادي سوف في مقاومة المستعمر الفرنسي، سواء مع الأمير عبد القادر أو مع أحمد باي فكانت ( طرود) حليفة لفرحات بن سعيّد ، خليفة الأمير عبد القادر على الزيبان، في حين كان (أولاد سعود) حلفاء لأحمد باي.

وتحدّث عن مقاومتهم الباسلة للاحتلال الفرنسي الذي توجّهت نحوهم قواته بعد احتلال ( تقرت)، ولم يتمكن من احتلال المنطقة إلا بعدما استنفاد السّكان كلّ ما لديهم من إمكانيات المقاوم ، وكان ذلك بتاريخ 14 ديسمبر 1954 م.

انتقل المؤلّف بعد كلّ هذه التفصيلات المفيدة والنبذة التاريخيّة المركّزة إلى ذكر الهجرة وتعريفها، وقدّم جداول مفصّلة عن تعداد سكّان وادي سوف من أواخر القرن التاسع عشر إلى عام 1954 م، حين اندلاع الثورة التحريريّة المباركة ، ثمّ ذكر أهمّ أسباب هجرة سكّان وادي سوف، ومنها:

1 – الوضع الطبيعي لمنطقة وادي سوف وقربها من تونس وليبيا.

2 – الدوافع الدينيّة.

3 – تحصيل العلم.

4 – الوضع الاقتصادي الصعب .. وغيرها من الدوافع الأخرى

ليأتي بعد ذلك الدّخول في مراحل الهجرة بشكل مباشر ، إذ حدّد لها المؤلّف خمسة مراحل رئيسيّة ، وهي ( – المرحلة الأولى ” من بداية القرن العشرين إلى عام 1929 م ” – المرحلة الثانية ” 1929 م إلى عام 1954 م ” – المرحلة الثالثة ” 1954 م إلى الاستقلال عام 1962 م ” – المرحلة الرّابعة ” 1962 إلى 1974 م ” – المرحلة الخامسة ” من 1974 إلى نهاية القرن العشرين “. ولكلّ مرحلة من هذه المراحل الخمس أسبابها ودوافعها، ومميزاتها.

وبشكل مختصر تحدّث عن خصائص هجرة سكان وادي سوف، وقال عنها أنّها هجرة موسميّة في أغلبها، تخصّ الرّجال دون النّساء، ولكنّها بعد الحرب العالمية الثانية صارت هجرة عائليّة، كما تميّزت بأنّها هجرة جماعات تنتمي إلى نفس التجمّعات السكانية، وهي هجرة شباب وكهول قادرين على العمل ومنظمة في الغالب خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، وأحيانا كانت تداولية، أي يذهب أفراد من العائلة للعمل ثمّ يعودون ليخلفهم أفراد آخرون في العمل نفسه.

وبيّن أنواع هذه الهجرة وقسّمها إلى قسمين:

-هجرة داخلية  تتمّ داخل حدود الجزائر).

-هجرة خارجيّة (وتكون خارج الجزائر، إلى تونس أو فرنسا أو المشرق العربي ).

ووضع المؤلّف جداول تفصّل لكلّ واحدة منها بشكل دقيق، وهذا عمل عِلمي موثّق اعتمد فيه على مراجع هامة، يمكن أن يكون مستقبلا مصدرا للباحثين وطلبة الجامعات من أجل إنجاز رسائلهم وبحوثهم، أو حتّى من أجل تتبّع أعلام وادي سوف والزيبان والترجمة لهم أو دراسة حياتهم.

وفي عنوان مهمٍّ؛ تحدّث  عن آثار هذه الهجرة على حياة سكّان وادي سوف، في المجال الاقتصادي والمجال الاجتماعي والديني والثقافي. وليبيّن في عنوان فريد وملفت (مميزات السّوفي وأسباب نجاحه في ديار الهجرة)، ويمكن تلخيص تلك المميّزات في هذه النّقاط:

-يتصف بالهدوء والرزانة والصّبر كغيره من سكّان الصّحراء

-بذل الجهد والتفاني في العمل.

-التقشّف والاقتصاد في المعيشة.

-الفطنة وسرعة التعلّم.

-الأمانة والصّدق مع أرباب العمل.

-كثرة التنقل والأسفار بحثا عن مورد الرّزق.

-الارتباط الوثيق بمسقط الرّأس ( وادي سوف ).

-التميز بالحذر والبعد عن المغامرة.

-الروح التضامنيّة والتكافل.

واستدل المؤلّف محمّد الصالح حثروبي بما ورد في تقرير ( جان بيكورو ) مسيّر المصالح المدنية بملحقة وادي سوف في عهد الاستعما ، التي يتحدّث فيها عن براعة الإنسان السّوفي في التجارة، وقد جاء فيها:

“فالسّوفي الذي نجح في مختلف الأشغال عرف نجاحا أكبر في التجارة حيث سمحت له مهارته وحيلته ومرونته وحبّه للعمل والاقتصاد إلى درجة تستوجب مقارنته بالتّاجر المزابي”.

وهنا ينتهي الحديث عن الموطن المهاجَر منه أي (وادي سوف)، لينتقل إلى الموطن المهاجَر إليه، والمقصود في هذا الكتاب وهو (بسكرة الزيبان)، والذي تحوّل بعد ذلك إلى بلد نشأ فيه كثير من أعلام (السوافة) وأقطابهم الكبار في الأدب والتاريخ والسياسة والجهاد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق