ثقافة

قراءة في كتاب للنقاد عبد الله لالي: قراءة في مذكّرات المجاهد عبد القادر بخليلي

هذه المذكرات لي معها قصّة رائعة، وذلك عندما طلب منّي الأستاذ الصّديق فوزي مصمودي مدير المجاهدين بتبسة (حاليا )، وكان وقتها مدير المتحف الجهوي بسكرة (سابقا) أن أتصل بالمجاهد عبد القادر بخليلي للتعاون معه من أجل إخراج مذكراته – التي كتبها – في هيئة تليق بمقامه ونضاله المشهود في صفوف جيش التحرير الوطني، أثناء الثورة التحريريّة المباركة.

ولبَّيتُ دعوة للمجاهد أطال الله عمره للغداء في بيته رفقة الأستاذ فوزي مصمودي، وحضرها ابنه العربي وكان لقاء رائعا، رأيت فيه رجلا متواضعا حييا يأسرك بِسَمْتِه وطيبته، وتشعر معه أنّ هؤلاء النّاس الذين بذلوا الغالي والنّفيس من أجل تحرير الجزائر، لم نوفهم حقّهم بعد، ولم نعرف لهم مكانتهم الحقّة التي تليق بهم.

أوّل ما لفت انتباهي في المجاهد عبد القادر بخليلي هو تلك الإصابة في حنكه، والتي كادت تودي بحياته، وكانت إثر قذيفة مدفع دبّابة، في معركة حامية الوطيس، هي معركة ( الصّفرة ) بجبل بوكحيل.

كان عملي أن أحوّل الكتاب من لهجته التي كتب بها (العامية) إلى الفصحى، في بداية الأمر تهيّبت من المهمّة، ظنّا منّي أن الكتاب كتب كلّه بالعامية، ويصعب تحويله إلى الفصحى من غير التبديل في بعض المعاني أو الأفكار، لكنني تفاجأت بأنّ الكاتب يمتلك لغة قريبة جدا من الفصحى، لغة امتلكها في كتاتيب القرآن عندما كان صبيّا (وحفظ ربع يس)، وعلقت هذه اللّغة بلسانه وقلمه، ولم أتعب كثيرا في تهذيبها، وتحويلها إلى الفصحى بشكل كامل، والأمر الآخر هو خطّ الكاتب؛ الخطّ المغربي الذي كانت تُكتب به المصاحف، وكان هو الشائع في تلك الفترة، ولاحظت أنّ كثيرا من المجاهدين يكتبون به، ويؤرّخون بالتاريخ الهجري ويستعملون الأرقام الهنديّة المستعملة في المشرق العربي إلى الآن.

وقد استهلّ المؤلّف مذكراته بنبذة عن حياته ومما جاء فيها:

” اسمي عبد القادر بخليلي بن العربي بن عبد الرحمن بن محمّد الصادق، ابن كلتوم بخليلي بنت علي بن محمّد بخليلي، ولدت في الثامن من شهر مارس خمس وثلاثون وتسعمائة وألف  ( 08 / 03 / 1935 م )، وكان مولدي بـ ( مشتة لقصر) دوّار أولاد أولاش بلديّة أريس سابقا، قرية سيدي مصمودي بلديّة لمزيرعة دائرة الزريبة ولاية بسكرة حاليا.

نشأت في أحضان أسرة ميسورة الحال، تمتهن الفلاحة والرعي بالطرق التقليديّة كما هو حال معظم الجزائريين في المناطق الريفيّة في تلك الفترة، وكنّا نرتحل بمواشينا وأهلنا في الشتاء إلى المناطق الدافئة عند سفوح الأوراس الجنوبّية، ونتجه صيفا إلى قلب الأوراس حيث الجوّ المنعش والطقس البارد “.

هذه النشأة البسيطة والحياة المتواضعة التي تكاد تكون حياة شظف وفاقة؛ هي التي صقلت الرّجال وأخرجت للأمّة صناديدها الذين قهروا فرنسا، ورموا بها إلى البحر خاسئة، عندما اندلعت الثورة بدأت فرنسا بجمع الأسلحة الشخصيّة من الجزائريين وأغلبها أسلحة صيد بسيطة جدا، وامتنع كثير من النّاس من تسليم أسلحتهم، وكان منهم المجاهد عبد القادر بخليلي، فتعرض للسجن مدّة ثلاثة أشهر، وتحدّث عن ذلك فقال:

” اعتقلوني عام 1955م وأدخلوني السّجن في منطقة الخنّاق بسبب امتناعي عن تسليم بندقيّتي للجيش الفرنسي المتمركز بأولاش، وكنّا خمسة من النّاس منعوا عنّا الأكل مدّة 15 يوما وكلفونا بالعمل الشاق وكان الجوّ باردا شديد البرودة لاسيما في الليل، فكانت معاناتنا شديدة وقاسية للغاية، وقد كنّا نبني الأسوار من الصباح حتى المساء ويطلب منّا تهديمها في آخر النهار لنعيد بناءها من جديد زيّادة على قيّامنا بتنظيف الثكنة وكذلك جلب الحجارة من الأماكن البعيدة بواسطة آلة تجرّ يدويّا، واستمرّ ذلك معنا مدّة ثلاثة أشهر “.

ويذكر المجاهد عبد القادر بخليلي حادثة أخرى مؤثرة كثيرا وقعت في بداية الثورة، قبل أن يلتحق بالمجاهدين إذ قامت طائرات العدوّ الفرنسي برمي الفلاحين البسطاء المجرّدين من أي سلاح ؛ بالقنابل وهم يعملون في بساتين النخل، ولنترك الكاتب يروي الحادثة بنفسه:

“وفي آخر شهر ماي 1955 م ذهبنا إلى قرية سيدي مصمودي لسقي النخيل التي نملكها هناك وإصلاح السواقي، فجاءتنا طائرات العدوّ الفرنسي الحاقد وأمطرتنا بالقنابل والرّصاص ثمّ أطلقوا النّار على الأشجار والنخيل، فمات البعض منّا وجرح كثيرون.

وكان من الذين ماتوا فورا في المكان نفسه: قروف سي عمّار ثمّ لحق به كلّ من مصري محمّد بن سي امحمّد وسي المكي تغلسية “.

ولازالت تلك الإصابة في جسمه إلى اليوم، حيث يعاني من ثقل شديد في السَّمع، الأمر الذي جعل ابنه العربي هو الذي يرفع صوته ليُسمعه ما أقوله له، ولا يتفاخر المجاهد عبد القادر بخليلي بكلّ ما فعله، بل كان عنده بعض التردّد في نشر مذكراته مخافة أن يكون ذلك نوعا من التباهي بالعمل في سبيل الوطن والجهاد في سبيل الله، الأمر الذي قد يُنقص من أجره عند الله أو يذهب بذلك الأجر، لولا أنّه رأى أنّ في ما يذكره من أحداث مادة ثريّة تبقى للمؤرخين والدّارسين، وكذلك تستفيد منها الأجيال القادمة التي لم تعايش الثورة.

مرور الزمن قد يطمس تفاصيل كثير من الأحداث والمواقف، لكنّ الأحداث الكبرى والوقائع العظيمة لا يمكن أن تُنسى، فيذكر منها المجاهد عبد القادر بخليلي جملة من المحطّات الهامّة والمثيرة، نقتطف منها ما يلي:

عملية جراحيّة بدون تخدير:

بعد عمليّة ناجحة للمجاهدين ضدّ قوات الجيش الفرنسي بمنطقة (عين النّاقة)، فأرادت قوات العدوّ الانتقام، فقامت طائراتهم بالإغارة على الآمنين في بلدة (سيدي مصمودي)، حيث كان الفلاحون ومنهم مجاهدنا عبد القادر بخليلي، يسقون نخيلهم، فقصفتهم تلك الطّائرات وقتلت منهم عددا كبيرا وجرحت عددا آخر وأصيب مجاهدنا في أذنه وقدمه بشظايا قصف الطيران الفرنسي العشوائي، وذهب إلى معالج تقليدي، والتمس عنده العلاج، فأخبره أنّه سيكون الأمر صعبا وعليه التحمّل، فوافق على ذلك، ورسم لنا الحدث بكل صدق فقال:

“وعندها فكرت في الاتصال بجيش التحرير الوطني، عسى أن أجد عندهم علاجا مناسبا لكنّني لم أجد ما يفيدني وأعطوني دواء لا ينفع مع بقاء الشظايا في جسدي، وظللت على تلك الحال ما يزيد على العام ثمّ وجدت طبيبا (عربيّا) تقليديّا، أخبرني أنّه يستطيع انتزاع تلك الشظايا بشرط أن أتحمّل الألم الممض..

فأجبته بأنّني أستطيع الصبر والاحتمال.. فأتى بسكين ووضعه في النّار حتى احمرّ ثمّ شق الجرح وبدأ باقتلاع الشظايا ونجحت العمليّة رغم الآلام المبرّحة التي ألمّت بي، غير أني تحمّلت حتى استطاع انتزاع الشظايا التي في أذني وفي رجلي، وشعرت بعدها بشيء من الرّاحة رغم أنّ الرصاصات التي في كتفي ما تزال باقية إلى اليوم”…يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق