ثقافة

قراءة في كتاب

قراءة في رواية (رنيم)..! ـ لـ ليلى بيران ـ الجزء الثالث

بقلم: عبد الله لالي

الفضاء المكاني والزماني للرواية:
امتدّ الفضاء المكاني للرواية إلى أبعاد متعددة شملت الجزائر وفرنسا، لكنّه ضاق بفرنسا ولم يتجاوز مقهى وأماكن محدودة جدا من باريس، بينما امتدّ في الجزائر ليشمل مناطق عديدة بين البليدة وتيبازة وسهول متيجة، الجبال والبيوت والشوارع العامة والسجون وأماكن الاعتقال وغيرها، وهذا المكان يبدو المرتع الطبيعيّ للأحداث، لأنّها أحداث واقعيّة لم تعدُ الكاتبة إلا أنّها أعطتها لمسات فنيّة ..
وربّما كان الفضاء الزّماني أكثر امتدادا إذ ينطلق من الحاضر إلى الماضي ويستغرق فيه مدّة طويلة، هي زمن الاستذكار وزمن وتفاعل معظم أحداث الرّواية وتواليها، ويعود إلى الحاضر من حين لآخر في لمحات خاطفة، كأنّي به غير معنيّ بالحاضر كثيرا، لكنّ الماضي يمتد من زمن الثورة المعروف بين 1954 م إلى 1952 م، إلى زمن الاستقلال وبداية الحياة الجديدة..

التصوير الفنّي:
في رواية (رنيم) حشد من الصّور الفنيّة الجميلة التي فرشت المؤلّفة منها بساطا سندسيّا لأفكارها، وجاءت بشكل متنوّع ومبثوث في كلّ فصول الرّواية كأنّه ماء الورد ضمّخ حناياها، ونختارمن تلك الصّور باقات زاهية الألوان عبقة الشذى، ترمق المتلقي بعيون خافقة كأنّ القلوب معلّقة بمآقيها:

الصور الأولى:
تقول الكاتبة
“لحظتها عانقت مريم الصمت حتى لا يشعر بها أحد و يسارع العسكر لانتزاع عائشة من أولادها آخر من تبقى لها، فاغرورقت عيناها بالدموع وابتلعت تلك الغصة مهرولة إلى الوادي”.
معانقة الصّمت تبدو شيئا محبّبا في بعض الشدائد والأزمات، إذا كانت نتائج الكلام ستأتي بمعاناة أشدّ وآلاما أنكى، ويصير الصّمت الملاذ الآمن والرّكن الرّكين، ولابدّ من أن تبتلع غصّتها كما تبتلع ريقها. ونلحظ هنا أنّ المشهد تضمن صورتين اثنتين عبّرتا عن حالة مريم، عندما أخبرها أحد الخونة بموت آخر أبنائها أبي القاسم مُغيظا ومتشفيا ..

الصورة الثانية:
الدّمع والجمر:
تقول المؤلّفة في ص 53:
” استمرت في البكاء وهي تعلم أن الدمع إن مُنع أصبح جمراً يحرق الكبد ”
الدّمع رحمة بالقلوب، فإذا انسكب خفف حرقتها، وكان بلسما على الأكباد، ولكنّه إذا مُنع أو حُبس لسبب ما صار كالصخر، بل كالجمر يُحرق قلب صاحبه ويفتّت كبده..
ولو قالت الكاتبة (الحزن يؤلمها ويقلق راحتها ويشعرها بالعذاب الشديد) لكان تعبيرا عاديّا لا شيء يجذب القارئ فيه، أو يؤثر فيه بشكل قوي، ولذلك كان هذا التصوير الفنّي أكثر عمقا:
” الدمع إن مُنع أصبح جمراً يحرق الكبد ”
الصّورة الثالثة
عندما تحدّثت إحدى بطلات الرواية عن قريبها الخائن قالت:
“الناس كالأزهار، متعددون، متلونون، روائحهم شتى، منهم من تتفتح مسامات روحك لرؤيته ومنهم من تتفتح كل جراحات التاريخ ساعة يعبر ”
هذا التشبيه يذكّرنا بتشبيه آخر قريب الملمح من معانيه، يقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيه:
” النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا ”
لكنّ تشبيه النّاس بالزّهور قد يصدق في ألوانها وأشكالها، ولا يصدق في جوهرها فليس كلّ النّاس زهورا، إنّما بعضهم أشواك وحَسَكٌ فحسب، تمدّ يدك إليه مصافحا فيدمي أصابعك أو أطراف أناملك.. !!
صور أليمة في ذاكرة لا تنسى:
من الصّور الفنيّة البديعة التي وفقت الكاتبة إليها أيّما توفيق حديثها عن الذّاكرة – الذي زخرت به الرواية بشكل طافح – فقالت في 63:
“فمثلما تخلّص من هذه الأسنان التي تآكلت كان يحاول أن يتخلّص من هذه الذكريات التي أنهكته”.
هذا التشبيه التمثيلي يحمل في طيّاته صورة فنيّة باهرة، إذ تشبّه تخلّص بطل الرواية؛ أبي القاسم من أسنانه التي تآكلت بمرور السّنين وصار عبئا عليه؛ فإنّه يحاول التّخلّص من الذّاكرة المثقلة التي أنهكته بآلامها وأحزانها على مدى السنين الطويلة أيضا، وهذا التشبيه رغم طرافته، فيه قسوة وألم وأشجان.. !
وصورة أخرى قريبة منها تطوف حول الذّاكرة أيضا فتقول في ص 11:
“وكأنك مخلوق خُلق للتعذيب وإذابة جليد النسيان ”
تنعت ذاكرة الإنسان بأنّها مخلوق خلق للتعذيب، هذا عادي جدا، لكن لمّا أضافت له قولها:
” وإذابة جليد النسيان ” صارت الصورة أكثر تعقيدا، وأكثر جمالا، فهي تشبّه النسيان بأنّه جليد يجعل المرء لا يشعر بشيء، فتأتي الذّاكرة وتنعشه وتذيب صلابته وجموده، ولكن تنصهر الذكريات ألما في صدره فيشقى بها من حيث أراد أن يهنأ ويرتاح ..
وتتلوها صورة ثالثة في المضمار نفسه، حيث تقول الكاتبة:
” فلم تصرين أنت على أن تذكريها بما مضى فيكفي أنها لم تنس. كمن كان يفتش بذاكرته ليعثر على بقايا دمعة ”
إذا كان الحزن شيئا معنويّا نعبّر عنه بالدّموع، فإنّ صورة الدّموع في عمق الذّاكرة تشير غالبا إلى حزن ما، عبر في حياتنا في فترك فيها ندوبا وكلوما ..

ختام..
عالجت الكاتبة موضوعا قديما جديدا، لا يزال منجما غنيّا يفتّش النّاس في مساربه عن كنوز شتى، وقد أخذت المؤلّفة بحظها منها، وازدانت روايتها ببعض ما حرصت على استخراجها منه، وصوّرت معاناة حقيقيّة عاشتها أسرة من عمق الشعب الجزائري، فلقيت من الألم والحزن والأسى ما صنعت به لوحة مجدها الأثيل .

يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق