مواسم البوح

قصة: “أضغاثُ ألوان”

بينما كانت الأناشيد تنسلُّ سُحُباً تومض وتختفي، والسموات تبتلع النور لتودِعه ثقباً أسود حالكاً بلا بداية بلا أمد. في كوّةٍ ضائعة، هناك،  ضمن اتساع الوجود  وعلى سدنة المعبد  تبتعد الخطايا…تتسلل خلف أعمدته خفيةً على أطراف أصابعها. تجفلُ أقدامها .تحترق لذةً وظمأً لماء الآلهة المقدسة.

كان يضع رأسه على الوسادة كما كلِّ مساء، والإغفاء يداعب أهدابه السُّمر، يتثاءب ملء كبريائه، وكأنه تلبّس روح إيزيس العتيد،  يفترُّ مزهواً بشوكته الملحية صادحاً :

” أنتِ من ضلعي خُلقتِ ….فكفى “.

و راح غافياً .

ابتسمتُ، معذورٌ هو،  فقد كان نائماً تحت الشجرة التي كان يظنُّها تفاحاً حين كنَّا معا قبل الأزل بجوار الرّب

كنتُ أحيكُ خلايا جسده وأنسج أطرافه شلواً شلواً بمسلات من غيم. كنت قد سرقتها من نور أحد الملائكة، وعلى تعجلٍ حارقٍ تربَّعتُ على عرش جريمتي، غير نادمة، أحنو بأناملي على الغرزات،  وأسترُ تفتّق الدم فيها بماء الشفاعة، أعطر به القرابين وأشتري غفلة الملائكة، أتزلف لها علّها تغضّ عن حقيقتي عينها .

وبينما الأحلام تسكن مقلتيه، كنتُ غارقة في عصور الرِّقَّةِ الحجرية. ذرعتُ أبرد من ريش الطواويس إزميلاً أنحت به عظامه، أصيّرها أقواساً من قوس قزح، أصبغ بحمرة الغسق أصابعهُ شموعاً من مطر، فيصير له من مائه ذاكرة . تنهض الخوابي، فينطقُ النبيذ بأبجدية السَّكب والانتماء لكأسي المقدسة في جوفه. أعتِقُ به مسارب قلبه والزمن، فيتَنبَّه الوجود فيه .

وأما على صهوة الريح،  فقد كنتُ أُراهنُ على اتّساعي وتعمّقي في رحم الفضا، أمتطي السَّكَر على جناح الشهوة بصنعتي الأبدية، ومن أقاصي السموات السبع، انتشلتُ نفحة من تراب خلقي  عاجلتها هرساً وطحناً في مدقات موشَاة بعطر أنوثتي، وعلى تسرعٍ أخرقٍ، أحييتُ فيه شهوة بنات جنسي…!

و قبل أن أسدل الستار على مسرحيتي .

كنتُ حريصةً أن أخلّص ذاكرته من فعلتي، فلفظتني التلافيف منها كفوهة كهفٍ سفليٍّ خلا من عفاريته، ولما انتهيت وضعت رأسي على الوسادة، ونمت .

وحيث يرتحل النعاس، ويتمطى الشفق، تسكنني الحياة من جديد، وتنداحُ الأحلام عن أهدابي الشُّهل، فيسقط البصر عليه صاحياً، أراه يتسمّر مشدوهاً إلى يديّ المصبوغتين بألوان الخلق والبعث والسؤال يتقافز شاهقاً على شفتيه  لجمتُه بيدي الجميلة، وسألته :

” هل نمت ..؟”

أجاب : ” كما لم أنمْ من قبل … وهذا ؟؟ ”

نظرتُ إلى يديّ المخضبتين به، وإلى أعالي السموات عينيّ استرقت. كان ثمة وهجُ نورٍ باسمٍ. حفنةُ أثرٍ من جناح ملاك يتنصت إليَّ إن كنتُ بفعلتي قد بُحْت؟                                                                                  أشرقتْ ابتسامتي، وانسدلت أناملي تتحسسُ أضلاعه، تتفقّدُ جميلَ الصّنع! ونطقت:             “لا شيء يا عزيزي .. ما هي إلا أضغاث لوحةٍ رسَمْتُها، لكنني ما لبثتُ أن رميتُها بعد أن نِمْتَ.!…

غنوة فضة / سوريا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق