مواسم البوح

قصة: الهارب

استلقى على أريكة في قاعة فخمة بالجامعة، وقد تحمس كثيرا لرؤية نجله في حفل تخرجه محاميا بعد تسيده لدفعته …

قربه كانت حليلته تجلس بجانبه وتثرثر مزهوة تكاد تُحلِّق في فضاء تلك القاعة كسنونوة تنبئ بقدوم الربيع ….

ربيع تقطف فيه رفقة بعلها باقة زهر مما سبق لهما أن غرسا في بكرهما من كد وجد ومثابرة

ليجنيا سويا ثمار تلك اللحظة الحاسمة ..

في قميص صيفي فضفاض وسبحة بيمناه راح يمررها بين أنامله ويداعب لحيته التي توشح جلها بالبياض فزادته وقارا … كان ينتظر في لهفة موعد مناقشة  الأطروحة وهو يتأمل تلك اللجنة المكونة من أربعة دكاترة ويأمل من أعماقه أن تكون رحيمة في مناقشتها لفلذة كبده

بدا الطالب يومها كأنه عريس في بزة لائقة ووجه مشرق يخفي القليل من التوتر ..

ثم شرع في شرح مذكرته في سجال بينه وبين أعضاء اللجنة (سؤال تعبقه إجابة وتوضيح ثم تعقيب فتصحيح)..

كانت الأم رغم جهلها بالموضوع برمته تبدي قلقا وحيرة وتتأفف بين الفينة والأخرى …بينما كان زوجها يهدأ من روعها ويطمئنها

ولما طالت المناقشة صمت جميع من في القاعة وهدأت الأم وجحظت شاخصة تتابع مجريات الحدث …

ثمة غاص الزوج في ذكريات سالفة أعادته عنوة إلى أزيد من ثلاثة عقود …

كان الكهل حينها شابًّا  لم يتجاوز الثلاثين من عمره  وهو يكمل بناء مسكن غير بعيد عن مسكن العائلة …

ولمَّا عُرِفَ عنه كرمه وشهامته وإيثاره …فقد طلب منه أحد أصدقائه مفتاح المبنى  لغرض قضاء  قيلولة مريحة  فرارا من  لهيب صيف حار تميزت به المدينة …

انصرف بعدها لقضاء حاجة في مصالح البلدية المتشعبة ..ولم يلبث أن عاد إلى رفاقه وهو يحمل كاظمة ملأها قهوة وفي نيته أن يكمل معهم تلك القيلولة …

كان مشهدا مروعا  مغيظا ذاك الذي قابله حالَمَا فتح له أحدهم باب المبنى مترنحا متمايلا ولاحت له مومسًا أطلت من إحدى الغرف …

استشاط غيظا ودفع ذاك الخسيس جانبا ثم تناول جذعا  كان قد استعمل سندا ودعما في البناء وكانت به مسامير عدة ..وراح يبرحهم ضربا بما فيهم  تلك اللعوب، فأرداهم جرحى وصرعى ينزفون دما من كل مفصل …

رمى بتلك الأداة مخضبة بالدماء وغادر المدينة في تلك الأمسية ..

سبب في ثورته الجامحة عاهات كثيرة لتلك الشرذمة الفاسقة .. منها عجز دائم لأحدهم وكسورا متفاوتة للبقية ..

سُجِّلت القضية ضده إثر شكاو من مجموع الشلة السيئة تلك …وحكم عليه باثني عشر سنة غيابيا …

لجأ المظلوم المخدوع إلى إحدى الولايات البعيدة وهجر والديه طيلة سنوات كان يبيت في الخلاء ويعمل عند أصحاب حقول من الخضر وواحات من  نخيل …وفي مرات قليلة كان يتفقد أسرته ليلا وفي سرية تامة وينسق ذاك اللقاء السريع مع أخيه وأعز أصدقائه … والذي تذرف فيه الوالدة دموعا حارة وتحضنه في شوق ولوعة بينما يدعو له والده في سره وعلنه وأحيانا يقترح عليه تسليم نفسه لرجال الشرطة …

كان يترك الأسرة بعد دقائق قليلة من كل لقاء ويوصي شقيقه بوالديهما خيرا …

مرت  السنون عصية ثقيلة طويلة اشتاق فيها الشاب لأنداده ومتعة السمر معهم ولم يندم مطلقا على ردة فعله في تلك الظهيرة المشؤومة ..

ومع تعود سكان تلك المدينة النائية عليه وصداقتهم له  وثقتهم به …فقد صار فردا منهم وتقدم لخطبة فتاة من ذاك الحي …

وافق أهلها على قرانهما رغم ما عرفوه عن مأساته فقد توسموا فيه خيرا وتيقنوا أنه كان ضحية ..

أقام عند أصهاره لسنوات وكان غالبا ما يخطف ساعات يقضي فيها لحظات من فردوس الأم وحضنها الدافئ ولمستها الساحرة المطمئنة …وبالمقابل كان يجلب معه صورا لهذا المحامي الذي عُمِرتْ لأجله قاعة الحفلات بالجامعة …

كانت الأم تحضنه ودمعها يسقط فوق صورة الطفل في مهده ..وتدعو خالقها  أن يفرج عنه كربته في عاجل الأيام …

وشيخ طاعن في السن يتمتم بأدعية متنوعة تخنقه غصة وأنين …وقد ضعف بصره فلم يعد يميز ملامح من كان في الصورة …

وجاءت البشرى من أخيه وصديق قديم له أن القضية تلك قد سقطت بتقادمها ..وأنه أصبح بإمكانه العودة إلى مسقط رأسه وممارسة حياته اليومية بكامل الحرية ..

طرب الجميع لرجوعه بينهم ..فشمر الرجل عن ساعديه واجتهد رفقة زوجة مطيعة متفهمة لم تدخر جهدا في الاعتناء بوالديه إذ أدركهما الكبر ..وأنجبت له عدا ذاك البكر بنينا وبناتا .

وحرصا كلاهما على تنشئة الأبناء وتربيتهم على كل ما هو جميل وعلى المثابرة في التحصيل العلمي الذي أتى أكله ونصَّب النجل محاميا تمنى والده وقتها  ومن أعماق قلبه لو ترافع عنه في قضيته المحيرة ..

قطعت تفكيره وشروده وصلة تصفيق حارة على العلامة الجيدة التي كافأ بها أعضاء لجنة المناقشة ذلك الطالب النجيب ..

التفت فورها إلى زوجته فرأى بسمة تغمر فاها ممزوجة بعبرات حارة سارت على الخدين .. ونهضا كلاهما ليعانقا نجم الحفل الساطع يومها .. ولؤلؤتان فضيتان قد سالتا على خديه …وقد غير الله حاله من وضع سيء إلى خير ونعمة ..

مقدير ابراهيم/ تبسة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق