مواسم البوح

قصة: حب منسي

 مرت الأيام واعتدت على رائحة المستشفيات وجرعات العلاج الكيماوي والأدوية الحارقة، كما أنني اعتدت على بكاء أمي ونظرات الشفقة في أعين الآخرين وتجنبهم لي باستمرار وكأن السرطان قد أصبح عارًا !!

لقد اعتدت على كل شيء ولكني لم أعتد على غيابك أبدا، لازلت أنتظرك على عتبة الحب وأراقبك خلسة من نوافذ الذاكرة طمعا في صدفة تجمعني بك مجددا.

عندما كشفت التحاليل الطبية عن وجود سرطان في مراحله الأخيرة ينهش جسدي كنت خائفة … يائسة ومحطمة، فحملتني قدمي إليك دون أن اشعر.  كانت سماء ديسمبر الرمادية تبكي في صمت وكأنها تشاركني حزني وتواسيني، ليت دموع السماء تغسل أحقاد البشر  !!

كنت أظن يومها أننا سنبكي معا، ولكنني كنت الوحيدة التي غرقت في طوفان دموعها، فقد تركتَ يدي وأغلقتَ أبواب اللقاء التي بيننا إلى الأبد !! ولكي تُسكتَ ضميركَ قلتَ أنني قد خدعتك … لأنني علمت بالمرض في بدايته وأخفيت عنك الأمر !!

عندما افترقنا شعرت أن الخلايا السرطانية في جسدي قد تضاعفت أكثر فأصبت بالغثيان وفقدت توازني ليحتضنني السواد لعدة أيام ..

ليتك كنت معي في جلساتي العلاجية لتمسك يدي وتمدني بالقوة لمقاومة الألم .. ليتك كنت معي يوم قصصتُ شعري لتنظر في عيني وتخبرني أنني مازلت جميلة .

حاولت أمي أن تقنعني بوضع الشعر المستعار ولكنني رفضت ذلك بشدة لم أكن أريد أن أبدو مزيفة في آخر أيام حياتي .

لقد أخبرت السرطان عن حبنا وجنوننا وتفاصيلنا الصغيرة …

أخبرته عن أغنيتنا المفضلة وأزهار الياسمين التي تضعها أمام بيتي كلما غضبت منك…

أخبرته عن أسماء أولادنا الذين لن يولدوا أبدا وعن أحلامنا التي باتت ورقة مهترئة من كتاب الذكريات …

أنا أكره السرطان لأنه فرقني عنك وأكرهك أكثر لأنك حطمت قلبي الذي لم يعد يحتمل غيابك .

لم أعد أستطيع الحراك وبدأت أفقد قدرتي على الكلام يبدو أن نهايتي قد اقتربت…   كيف سأخبرهم عن حبنا المدفون تحت أنقاض قلبي الذي ارتطم إثر صيحة واقع مؤلم…  حب غارق في سراب الوحدة ومكبل بقيود الزمن .

لا أحد غيري يستمع لأنينه… لا أحد غيري يشاركه السهاد في الليالي الحالكة ويتجرع معه كأس الألم حتى الثمالة  لا أحد غيري يشهد احتضاره و يشعر بسكرات موته والرعشة المرعبة تسري في جسده .

لا أحد غيري يشيع جنازته ويضع تلك الأزهار الحزينة على قبره ويكتب على الشاهد : هنا يرقد حب منسي وأحلام مسروقة أجهضت في مقبرة الأوهام .

نور مختاري / باتنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق