مواسم البوح

قصة: مجددا يا ليلى

عزيزتي ليلى :

أخبروني قبل قليل أن جارتنا المسنة تودّع الحياة؛ وأنها ترفض أن يفحصها الطبيب وتحدّق في السقف بعمق وغرابة.

أعتقد أنها تشاهد ذكرياتها المتدلية من السماء، والوجوه  التي قابلَتها خلال سنواتها التسعين.

الجميع يعبر ذاكرتها الآن، وأجزم أنهم يحاولون تكرار المشاهد الجميلة في حياة هذه المسكينة ليخففوا ألم انفصالها عن الحياة.

كنت أزورها في طفولتي برفقة أمي، أركض في أروقة البيت وأدخل غرفه كلها …ثم أذهب لأسألها كما في كل مرة: كيف تستطيع العيش بمفردها في هذا البيت الكبير !

كانت تضحك حين أتم سؤالي، تحشر في يدي حبات من الحلوى ثم تقول “لأنه ليس لدي أحد ليعيش معي يا بني”.

لا أنكر أنني لم أكن أستلطفها في صغري، كان خواء بيتها وهدوئها المفرط  يرعبانني، لكنني الآن أشعر بعاطفة جياشة نحوها، كما لو أني عرفتها عن قرب طوال الوقت.

هذا الرابط الغريب يا ليلى يشدني الى كل الأماكن والأشخاص التي تلامسها يد الموت، وأظنك الوحيدة التي تعرف السبب.

لا أرغب بتوديعها، ولا بتذكر وجهها خاليا من الحياة، أكره قسوة الموت حقا، حضوره المهيب والنسمة الباردة التي يتركها في كل زيارة له.

صمته، رائحته، وختمه للأمور بهذه القطعية.

أتساءل عما تشعر به الآن … أو بالأحرى عما تعنيه مواجهة الموت.

لأنني أود أن أعرف ما شعرتِ به يا ليلى.

تستيقظ هذه الرغبة في داخلي كلما توفي شخص من معارفي… أحضر الجنازة وأبقى بعد الدفن محدقا في قبره، متخيلا ما يحدث هناك …في العمق.

بإمكاني الشعور بحضوره يا ليلى، إنه هنا مجددا في نفس المدينة، مصاحبا ذات النسمات وذات الهدوء..

تماما كما جاء … في الثاني من تشرين.

الشمس تغرب الآن آخذة معها روح شخص آخر..

لقد خرجوا للتو من شقتها برؤوس متدلية مثقلة بالحزن، وبوجوه غارقة في الدمع.

الوداع أيتها العمّة..:

رميساء شرفي/ العاصمة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق