العمود

كاد المعلم أن يصير “غسولا”

غيض من قيض

كل حقبة تمر علينا إلا ونجد أن من أكثر الفئات تعرضا للأذية عن طريق الاستصغار والتقليل من الشأن والقيمة، المعلم الذي كاد أن يكون رسولا في زمن مضى، وهو اليوم يعاني مصارعا من أجل “مكانته” وقيمته التي ترنحت مع الظروف وتزعزعت مع الأزمات واهتزت بارتدادات ثقيلة كلما قال الأستاذ “حقي” ليتهم بالأنانية وينظر إليه على انه “تاع صلاحو” رغم أن العام قبل الخاص يعلم ما يعانيه هذا الموظف البسيط في مجتمع يقيس الأعمال بحجم الأجور والرواتب ويوجه الاتهامات “خبطا عشوا” فيحاسب غيره قبل أن يراقب نفسه وتصرفاتها فيثير البلبلة من حوله ويزيد من توسيع الفتنة ثم يتساءل عن السبب.

وكذلك الوضع في عهد الكوفيد حيث اتهم المعلم بالانانية والاستغلال حين استفاد من عطلة مدفوعة الاجر بسبب الازمة كغيره من الموظفين، وحين عاد للعمل فرضت عليها تدابير ليطبقها على تلاميذه دون ان توفر له الامكانات فطالته المحاسبات والاتهامات وزاد الخناق عليه من كل الجهات، وكأنه آلة تصنع المواد ومختلف اللغات وتحيك التربية وتخيط للمبادئ وترصع الأخلاق والسلوكات، لتزيد الجائحة من صب الزيت على النار ويتخفى المسؤول الفاشل الذي عجز عن توفير تدابير الوقاية بالمؤسسة التربوية وراءه دافعا اياه إلى فوهة بركان إما لإثارة غضبه فيقيم المجتمع عليه الحجة أو لتعجيزه وإذلاله وتحميله مسؤولية كل الأزمات.

فالمعلم الذي كلف بتربية أبناءنا ومجالستهم ساعات طويلة من العمر وتعليمهم وتثقيفهم وتوعيتهم ومن ثم توجيههم، وان خرج للشارع قال “وطني وطني أين حقي” فقد فاض كأسه ونفذ صبره وانهارت قواه وهو يحمل فوق طاقته من المسؤوليات والتكليفات، وفي عز الأزمة الراهنة طالبته الدولة بالتكفل بجانب النظافة والتعقيم والوقاية بمختلف أبعادها، وبعد ذلك اتهمته بتسببه في نشر الوباء بالمدارس، حيث لم يبقى له من التضحيات إلا أن يصير “غسولا”.

نوارة بوبير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق