الأورس بلوس

كي ينوّر الملح؟!

لكل مقام مقال

في بعض الأحيان تتعلق النفوس بما يستحيل تحقيقه، ولا يمكن إدراكه..وتبقى على أمل “يائس” ميت في مهده فنتفاجأ بالمثل القائل “كي ينوّر الملح”..وهو كناية عن استحالة “الحدوث” سواء لكون الأمر بحد ذاته محال في أصله.. أو لوجود من يجعله كذلك رغم إمكانية حدوثه وتحقيقه..
ونجد أن “كي” هنا تعني “حين” على عكس ورودها في مثلنا السابق “كي القط احفر واردم” التي جاءت بمعنى “مثل”..و”ينوّر” بمعنى يزهر والإزهار دليل على الحياة والتفاؤل..ومعروف أن الملح لا حياة فيه و لا يصلح أن يُستنبت فيه شيء بوضعه مباشرة لهذا لجأ أجدادنا لاستعمال كلمة “الملح” وإلحاقها بالإزهار تعبيرا عن طول الرجاء وعدمه..
ويذكر أن رجلا في زمن العبيد توجه إلى السوق واشترى جارية تخدمه وأبناءه الذين خلفتهم أمهم وراءها بموتها..وقد عاهد نفسه ألا يتزوج حتى يكبر الصغار..فطلبت منه الجارية وكانت من دولة بعيدة، أن يعيدها إلى أهلها لأنها في الأصل حرة..فتردد وخاف أن يعدها فلا يفي بوعده..فقال لها عندما تشاهدين “جرة” الملح وقد أزهرت سأفعل، فقالت له: وهل ملحكم يزهر؟ قال لها: نعم لأنه يختلف عن الملح المعروف.. فصدقته بسذاجة لاعتقادها أن هناك اختلاف..فظلت تلك الجارية تترقب كل يوم إزهار الملح..وكانت مخلصة متفانية في عملها،عطوفة على أبنائه.. فأحبها الرجل وطلبها للزواج..فقالت له سأتزوجك بشرط أن نزور أهلي..و لا بأس أن أنتظر إزهار الملح كما وعدتني..ومرت السنوات وقد تزوج الرجل تلك المرأة والملح على حاله لم يزهر..وخاف الرجل إن هو أخذها لزيارة أهلها تخونه بالعودة إليهم..فتجاهل وعده المشروط لها..وإذ هو على فراش الموت اعترف لها أن ملحهم لا يزهر ولا يمكنه أن يزهر بأي حال أو مكان آخر..فردت عليه أنها علمت هذا الأمر من جارتها، لكن أملا ظل يساورها بحدوث معجزة لكن “الملح ما نوّرش”..وآلت على نفسها العيش مع أبنائه من بعده..
“كي ينور الملح”..يضرب هذا المثل عند التعلق بالمحال أو طلب المحال..وهو أشبه بوعد كاذب مرتبط بإزهار نعرف سلفا أنه لم يحدث ولن يحدث.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق