العمود

لابـد من هــدف

ما يحدث في الشارع الجزائري اليوم قد تطرق إليه أحد المخرجين السوريين في إحدى حلقات سلسلة كوميدية ساخرة، حيث سمع “مواطن” ضجيجا في الشارع فهرع إلى الباب وفتحه فوجد الكثير من الناس يركضون إلى وجهة مجهولة، وعندما سأل “المواطن” أحد الراكضين عن سبب الاندفاع لذلك الكم الهائل من “المواطنين” وهل حدث أمر ما؟ أجابه قائلا “لا، لم يحدث شيء” فسأل المواطن “الراكض” عما يحدث إذا ولما يركض مع “الراكضين” أجابه قائلا “تحسبا لحدوث أمر ما”، والمغزى من الحلقة هو أن الكثير من المواطنين “عبر العالم” ينضمون إلى أي حراك لمجرد الانضمام دون أن يكون هناك ما يستدعي الحراك.
حراك الجزائريين “حاشا” أن يكون بلا دافع، لكنه للأسف أصبح بلا هدف معين وبلا خارطة طريق واضحة، فما يحدث مع الجزائريين اليوم هو نفس ما يحدث يوميا في شهر رمضان عندما يقف الكثير من الصائمين عند أي طابور يصادفونه دون علمهم عما يباع خلف الطابور، فالكثير من الجزائريين خرجوا ولازالوا يخرجون في مسيرات لا نقول أنها بلا هدف بل بلا هدف واضح، ولكي أتأكد من هذه الفرضية شخصيا تعمدت طرح أسئلة على كثير من المواطنين عما يجب على “الدولة” أن تفعله لترضي الشعب فكان الجواب المتفق عليه هو “يروحوا قاع”، وهنا وبسبب هذه الإجابة تحديدا كان على الفاعلين الواعين في الحراك أن يخبروا الشعب بأن هذا المطلب لا يمكن أن يتحقق بل ومن المستحيل تحقيقه ليس استهزاء واستخفافا بالشعب ومطالبه لكن إنصافا “للمنطق” وإنصافا “لمفهوم الدولة” بعيدا عن الخلط الذي وقع فيه أغلبية الشعب بأن “الدولة” هي “الجماعة”.
أولئك الصحفيون وأولئك السياسيون وأولئك الكتاب والفلاسفة وأولئك القضاة وأولئك الأساتذة والدكاترة، أولئك في الشارع كان بإمكانهم أن يؤطروا الحراك بالفكر، كان بإمكانهم تأطير الشعب بنشر الوعي وغربلة المفاهيم من أجل الإبقاء على المطالب الممكنة وإلغاء المطالب التي تدخل ضمن خانة “الحماقة” والتفاهة وحتى “الغباء”، كان بإمكانهم الوقوف “مع الدولة” وسلامة الوطن كما وقوفهم مع الشعب والحراك الشعبي، كان بإمكانهم القول بأن النصر يتأتي على مراحل وأعظم نصر أن تغلق الأبواب في وجه المتسلقين وهواة ركوب الأمواج، لكن ما يبدو أنه ليس بالإمكان هو أن يتجرأ “أولئك” ويتخلوا عن مطامعهم من أجل “الوطن”، فالكثير من “المثقفين” يتسترون عما لهم علم به ليس لقلة جرأتهم فقط بل لحبهم في كسب ود الشعب حتى على حساب “الحقيقة والمنطق”، والحقيقة هي أن الشعب فعلا هو مصدر السلطة، وهو فعلا “السيد” لكن ليس دائما على حق، وليست دائما “مطالبه” منطقية ومعقولة، لهذا فلا بد من هدف منطقي معقول وإلا فلا نصر للشعب إلا بعد حرب، وما نرجوه هو أن تبقى الحرب “حبيسة الكواليس” ولا تطفو إلى “الشارع” بسبب التمادي في “تحكيم الشعبوية” والتفكير العامي.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق