ثقافة

“لا بد أن نتجاوز الواقع الركيك وسذاجته وأن نبدد مشروعية القبح بالجمال”

الروائية والشاعرة "هند جودر أوراس" لـ "الأوراس نيوز":

حوار: رقية لحمر

هي القائلة: “ الكتابة هاجس يلد معنا، إنها كيان يتلبسنا ولا يمكن التملص منه، وإلا فلماذا نكتب ولمن”، هند جودر أوراس التي اعتلت ركح الكائن الحبري وأضافت على دف الحديث لمسة مميزة لها، فلم تعتز أبدا بالألقاب بقدر ما عملت على كتابة نص ذكي يأسر القارئ، ومن أجل أن تبدد مشروعية القبح بالجمال، وأن تتجاوز الواقع الركيك وسذاجته، صدر لها ديوان شعري عام 2012 ورواية بعنوان ” أشياء ليست سرية جدا” و”روزا”،عضو مؤسس لبيت الشعر الجزائري ورئيسة فرع أولاد جلال لجمعية بيت الشعر الجزائري ببسكرة، كما سيصدر لها مجموعة شعرية بعنوان “طريقتي في الرقص قديمة”، وعن فكرة الوصول المرعبة بالنسبة لها، نلتف حول جديدها وتأملاتها الفكرية المحاط بهالة من الابداع في هذا الحوار:

 

  • في العادة تكتب المرأة بمزيج مختلط بين الكثير من العاطفة التي تعطي لمسة ساحرة في نصوصها ومباغتة من العقل كمناصفة لتلك الكتابات، ماذا عنك، وهل أثرت بداياتك على نوع الكتابات التي تقومين بنسجها؟

أولا لنتفق على أمر غاية في الأهمية وهو أن الكتابة بالنسبة لي هي حياة داخلية،لا يمكن أن أتصور نفسي وأنا أجوب هذا العالم الوقح المرتج المتملق المتلون والذي لا يقول لي صباح الخير إلا وهو يبتسم بعين مواربة.

لم أكتشف هذا الآن أو قبل سنوات، لا، حدث هذا معي منذ طفولتي الأولى، كان هذا واضحا من خلال ما أفكر فيه وبه، كنت أتساءل دائما ما هذا الذي يدور في رأسي ويقلقني على نحو ما.

الكتابة هاجس يلد معنا، إنها كيان يتلبسنا ولا يمكن التملص منه، وإلا فلماذا نكتب ولمن؟ هل نكتب لمجرد الاستمتاع لا أظن،الكتابة مغالبة للواقع،استدراج للمستحيل، مبالغة في التخيل،الكتابة ليست متعة فقط، إنها معاناة ثلاثية التأثير، تحيي وتميت ثم تحيي،إنها الفكرة، واللمسة، والقدرة، والتبصر.

 

  • هل يمكن القول أنك تأثرت بكاتب ما وأنت تحتسين جرعات زائدة من النصوص المختلفة؟

القراءة موهبة، ولهذا فأنا أقرأ للموهوبين، ولا أميز هنا بين كتاب فكري وآخر إبداعي، ولا أريدي أن أحدد اسما بذاته، فالجوهري عندي في العملية الإبداعية هو البذرة، إنها البذرة التي بداخلي، يبقى أن أسقيها بما أجده يتلاءم مع طبيعتها، وتركيبتها، ونوعها، إذن فالتأثر هنا لم يأت من الخارج، إنه داخلي، فأنا وقعت تحت تأثير البذرة ليس أكثر.

 

  • لنعد للحديث عن أولى رواياتك “أشياء ليست سرية جدا” يبدو العنوان مثيرا، وخاصة والفضول الذي يلف حوله، أية أشياء لم تعد سرية يا ترى؟

أشياء ليست سررية جدا، هي أشياء رصدتها امرأة مثقفة مريضة من خلف نافذة، هي ليست سرية جدا، لكنها سرية فقط.

 

  • ماذا عن “روزا”، أعتقد أنها تحمل شاعرية داخل نصوصها؟

روزا هي النص الذي تحول إلى شخص بالنسبة لي حتى أنني بكيت بعد أن قرأتها كرواية مستقلة عني في نسختها الورقية، عندما قرأت مشهد  البطلة روزا وهي تعاني السل في المستشفى، لم أتخيل وأنا أكتب فصولها الأولى وهي بكامل صحتها وقوتها وجمالها أن يأتي فصل تفقد فيه كل هذا…لن أشفى من روزا  إلا بنص جديد هو قيد الكتابة.

  • قلت “ما أكتبه ليس شعرا بل ركاكة واقع” هل القول صحيح اذا ما جزمنا أنك تكتبين للواقع الأليم، بعيدا عن الجمال والفرحة، هل ذلك ما نلمسه في دواوينك الشعرية؟

ما أكتبه ليس شعرا بل ركاكة واقع، فأنا هنا ألغي عن الواقع شاعريته، في لحظة يأس، إننا محبطون تماما، فحين نعلن على الملأ أننا مدانون أمامهم وأمام أنفسنا، وأننا عاجزون وبلا تأثير، لم يبق للشاعر ما يقوله وهو يذعن تمام الاذعان لواقعه الركيك، ولسذاجة محيطه، إنه شاعر فاقد الأهلية والتأثير، ولهذا يجب أن نناضل من أجل الجمال، وأن نبدد مشروعية القبح بالفن.

أنا شاعرة أو لا، لا تهمني الألقاب، ما يعنيني هو فعل الكتابة، هي عملية التحويل تلك، ألم، أو تخاطر ما مع الأشياء والكائنات، وحشة، فزع النهايات، ارتباك البدايات، أن يخرج في هيئة جديدة، لمسة جمال كلنا بحاجة إليه.

 

  • أيضا سيصدر لك مجموعة شعرية “طريقتي في الرقص قديمة”، هل هو حنين الى الماضي أم أن هنالك عتاب ما؟

طريقتي في الرقص قديمة، وهذا سؤال مهم جدا، فما أكتبه الآن وفي هذه اللحظة بالذات، سيصبح قديما بعد ثانية واحدة، قديما وهذا لا يلغي أهميته بل بالعكس، إنه سيحيا بالأقدمية، سيتحول من راهن معيش، ومفضووح، وواقعي إلى حد ما إلى أثر، أثر قديم يستحق الاهتمام والدراسة.

 

  • ما لذي تريدين الوصول إليه وتحقيقه، وكيف هي نظرتك نحو القارئ؟

مرعبة فكرة الوصول، أن أصل يعني أن أتوقف عن الكتابة،عن الحياة، أنا لا أريد تحقيق شيء من الكتابة، لأن ما بداخلي داخلي وفقط، غاية مبهمة صعبة التفسير، قلت إنني أكتب لأسقي البذرة، والبذرة داخل قوقعة، ولهذا فأنا مازلت في طور كسر القوقعة، القارئ شريك أساسي في فعل الكتابة، إنه الضفة الأخرى في أي عملية إبداعية، القارئ ذكي، ولهذا علينا أن نكتب نصا ذكيا، يستحق شرف قراءة عميقة وذكية.

 

  • كلمة ختامية

شكرا لجريدة “الأوراس نيوز”، أتمنى أن يركز الإعلام بكل وسائله على الفعل الثقافي، إذ لا أمة بلا روح، وروح الأمم هي ثقافتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق