إسلاميات

لا تثريب عليكم اليوم

زاوية من نور

فتح مكة المكرمة حدث عظيم من الوقائع الفاصلة في تاريخ الإسلام التي أعز الله فيها دينه وأذل أعداءه، فبهذا الفتح خسر الكفر أهم معاقله وحماته في بلاد العرب، وبعده دخل الناس في دين الله أفواجا وأصبحت مكة قلعة منيعة لدين التوحيد والهداية.

وسبب الفتح أنه كان من بنود صلح الحديبية الموقع سنة 6 هجرية بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وقريش أن من أراد الدخول في حلف الرسول وعهده دخل فيه، ومن أراد الدخول في حلف قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت قبيلة “خزاعة” في عهد الرسول الأمين ودخلت “بنو بكر” في عهد قريش.

كانت بين هاتين القبيلتين حروب مستمرة فأراد “بنو بكر” أن ينالوا من “خزاعة” ثأرا قديما لهم فأغاروا عليهم ليلا وقتلوا منهم جماعة، وأعانت قريش في الخفاء “بني بكر” بالسلاح والرجال خارقة بذلك بنود الصلح مع الرسول الأمين، فأرسلت “خزاعة” إليه تخبره بالأمر وأن قريشا غدرت بحلفائه

أمر الرسول المسلمين بالاستعداد للخروج إلى مكة نصرة لحلفائهم خزاعة، وأوصى بكتم الأمر عن قريش حتى يباغتها جيش المسلمين.

أدركت قريش خطورة ما أقدمت عليه وأنها دخلت في ورطة، فسافر زعيمها أبو سفيان بن حرب إلى المدينة المنورة لعلاج المشكلة وتجديد الصلح مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه وجد أن فرصة ذلك فاتت لأن الرسول عزم على الغزو وأمر بالتجهز له، وقد أعطي الأمان بإسلامه.

وفي يوم 10 رمضان سنة 8 هجرية خرج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من المدينة لفتح مكة بجيش قوامه عشرة آلاف جندي من أصحابه، وطلب من القبائل المسلمة حول المدينة (أسلم، ومزينة، وجهينة، وغفار، وسليم) الخروج معه فلحق به منهم ألفا رجل، فصار مجموع جيش المسلمين 12 ألف جندي.

دخل الجيش الإسلامي مكة ولم يواجه جيشا محاربا من أهلها باستثناء اشتباك محدود وقع بين جيش خالد بن الوليد ومجموعة قليلة من قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل رفضت الأمان وأرادت التصدي للمسلمين بالقوة، وقتل في هذا الاشتباك  أفراد قلائل من الجانبين، ثم انتهى بفرار فلول مجموعة قريش إلى بيوتهم ليأمنوا من القتل.

دخل الرسول مكة من أعلاها وسار والمسلمون بين يديه ومن خلفه وحوله حتى دخل المسجد الحرام، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه ثم طاف بالبيت، وكانت في يده قوس يطعن بها الأصنام المنصوبة حول الكعبة (360 صنما) وهو يردد قوله تعالى: “وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” (الإسراء، الآية: 81)، “قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد” (سـبأ، الآية: 49)، فتخر الأصنام ساقطة على وجوهها.

فلما أكمل طوافه دعا سادن الكعبة عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاحها وأمر بها ففتحت، فدخلها وأمر بالصور التي كانت فيها فمحيت، ثم دار في نواحيها وصلى داخلها، ثم خرج منها وأعاد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة وأمر أن يبقى في عائلته أبد الدهر.

تجمعت رجالات قريش منتظرين ما سيفعله بهم الرسول الأمين، فتوجه إليهم وقال: “يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟”، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: “فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه: “لا تثريب عليكم اليوم” (يوسف، الآية: 92)، اذهبوا فأنتم الطلقاء”، وأمر بلالا أن يصعد فيؤذن للصلاة على ظهر الكعبة وقريش تسمع.

وفي اليوم التالي لفتحه مكة ألقى النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة بين فيها بعض معالم الدين وحرمة بلده الأمين مكة، ثم بايع الرجال والنساء من أهل مكة على السمع والطاعة، وأقام بها بعد ذلك 19 يوما وضح لهم فيها معالم الإسلام وتعاليمه ورتب فيها الشؤون الإدارية للمدينة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق