إسلاميات

لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض

قال تعالى: ” وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ” سورة النساء الآية 93

إن كثرة الفتن في هذا الزمان، هي إحدى العلامات البارزة من علامات دنو الساعة التي حذر منها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهي من صفات النفاق، ومناقضة الأقوال للأفعال، وذهاب الأمانة من الناس، وضعف دينهم، وقلة خلقهم، وظهور الاختلاف الشديد بينهم، والتكبر عن سماع النصيحة من غيرهم.
ويبقى المخرج من هذه الفتن في الإكثار من الأعمال الصالحة، انطلاقا من قول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “بادروا بالأعمال فتنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ” مسلم.
ويترتب على هذه العلامة، علامة أخرى، بالغ النبي – صلى الله عليه وسلم – في التحذير منها، والتنبيه على خطورتها، وفظاعة آثارها، ألا وهي “كثرة القتل”.
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: “لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ”. قَالُوا: “وَمَا الْهَرْجُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟”. قَالَ: “الْقَتْلُ، الْقَتْلُ” متفق عليه.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: “لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ، وَتَتَقَارَبَ الأَسْوَاقُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ”. قِيلَ: “وَمَا الْهَرْجُ؟”. قَالَ: “الْقَتْلُ”.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: “يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ”. قَالُوا: “وَمَا الْهَرْجُ؟”. قَالَ: “الْقَتْلُ، الْقَتْلُ” متفق عليه.
ولقد سأل حذيفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الساعة، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو”، ولكن أخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها: إن بين يديها فتنةً وهرجا”. قالوا: “يا رسول الله، الفتنة قد عرفناها، فالهرج ما هو؟”. قال: “بلسان الحبشة: القتل، ويُلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد أن يعرف أحدا”.
ولما ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – الفتنة، التي يكون النائم فيها خيرا من المضطجع، والمضطجعُ فيها خيرا من القاعد.. قال له عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: “يا رسول الله، ومتى ذلك؟”. قال: “ذلك أيام الهرج”. قلت: “ومتى أيام الهرج؟”. قال: “حين لا يأمن الرجل جليسه”. قلت: “فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟”. قال: “اكفف نفسك، ويدك، وادخل دارك”.
فلو أمعنا في كلمة “الهرج” في هذه الأحاديث، وكيف ارتبطت بما يصيب الناسَ من فساد الخلق، وقلة الدين، وقلة العمل، وكثرة الكذب، وانتشار الشح، وإنكار بعض الناس لبعض، بمن فيهم الأقرباء والأصحاب، حتى إن الواحد منهم لا يكاد يأمنُ جليسَه أو يستأمنُه. ولذلك زاد النبي – صلى الله عليه وسلم – الأمر وضوحا، وبين أن القتل المذكور ليس قتل المسلمين للمشركين – كما قد يتبادر إلى الذهن -، وإنما هو قتل المسلم للمسلم، بل قتل الجارِ لجاره، والقريبِ لقريبه، كأبيه، وأمه، وجدته، وأخيه، وعمه، وخاله..
قال – صلى الله عليه وسلم -: “إن بين يدي الساعة الهرج” قالوا: “وما الهرج؟”. قال: “القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتلُ بعضكم بعضا، حتى يقتل الرجلُ جارَه، ويقتلَ أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه”. قالوا: “ومعنا عقولنا يومئذ؟”. قال: “إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء” صحيح سنن ابن ماجة.
وجعلهم هباء لأنهم ليسوا بشيء، وليسوا على شيء، يفسدون ولا يصلحون، ضررهم كثير، ولا نفع يرجى من ورائهم، وإن كانوا على هيئة العقلاء، معيشة، ولباسا، وكلاما، إِذْ نزعت منهم العقول، وسلبت منهم الإرادة. ولذلك تعجب الصحابة الكرام حتى قالوا: “ومعنا عقولنا يومئذ؟”.
وها نحن نسمع بين الفينة والأخرى بمَن قتلَ أمه بسبب خلاف يسير، ومن قتلت ابنها لأنه أصبح لا يطاق بسبب ما عليه من الإدمان على المخدرات، وذلك الابن العاق، المدمن على الخمر والمخدرات، الذي كان يبتز أمه العجوز، ويستولي كل شهر على أجرة تقاعدها، حتى إذا ضجرت منه يوما، وأبت أن تستجيب له، ضربها ضربا مبرحا حتى الموت.. وهكذا تتناسل أحداث الاعتداء على الأصول والفروع المؤلمة، مؤشرة على فقد عقول أصحابها – كما أخبر الصادق المصدوق – صلى الله عليه وسلم -.
ومن مظاهر القتل الذي كثر في زماننا، هذه الحروب الطاحنة، التي أَعْمتها المصالح الخاصة، والمطامع الدنيوية، وحب السيطرة والتفوق.
فلا يعرف الإنسان لم قتل وفيم قتل مصداقا لقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَىْءٍ قَتَلَ، وَلاَ يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ” مسلم.
قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32].
إن القاتل المعتدي ليس له يوم القيامة إلا النار. يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]. وجعل النبي – صلى الله عليه وسلم – قتال المسلم كفرا فقال: “سباب المسلم فسوف، وقتاله كفر”؛ متفق عليه.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: “لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض” متفق عليه.
ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما” البخاري.
بل مجرد حمل السلاح في وجوه المسلمين حرام قال – صلى الله عليه وسلم -: “من حمل علينا السلاح، فليس منا” متفق عليه.
كما أن ترويع الآمنين، وتخويفهم، واستفزازهم مما نهى عنه النبي – صلى الله عليه وسلم – ولو على سبيل المزاح، فكيف لو وقع حقيقة. يقول – صلى الله عليه وسلم -: “لا يحل لمسلم أن يروع مسلما”
ويقول – صلى الله عليه وسلم -: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفكَ الدم الحرام بغير حله” البخاري.
د. محمد ويلالي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق