العمود

لتفكير بصوت عال: أحاديث القهوة

 

ظللت أكتب في المقاهي إلى غاية مراحل متأخرة من حياتي الكتابية.

شيء ما في روائح المقاهي الجزائرية (والعربية عموما) وضجيجها كان يمكنني من عزلة وسط الناس والأشياء. عزلة إيجابية وسط صحراء من صخب. تقيك من الانهيار العصبي وتهبك مساحة الخلو إلى نفسك. شيء يشبه رسالة إدغار آلان بو التي خبأها صاحبها على مرأى من الجميع، على المكتب وسط الغرفة حيث بحث المحققان في كل مكان ولم ينتبها إلى أن السر المخفي غير مخفي تماما مما يجعله مخفيا بالشكل الأمثل. السطور التعيسة الأولى التي خططتها في حياتي كتبتها في مقهى قريب من بيت أخوالي في البادية. قهوة جدي.

قهوة جدي احمد بن براهم اسمها كتامي بسيط وفعال “القهوة دي بن براهم”؛ وكنت صغيرا أعتقد أن المقصود هو أنها قهوته فإذا بها المقهى الذي يجلس فيه، وكان شوقي ضخما لدخول ذلك المكان المخصص للكبار؛ المقهى  ذلك المكان الجميل الرائع الذي فيه رجال كبار يتحدثون عن الحزب والرايس و”المرا” و”القضية” واليهود والبقر والصوارد/ الدراهم…

متى تصبح لي قهوة “بلحيمر” سواء كقهوة تدخلني دائرة الرجال أو كمقهى لم أكن أدري ما معناها (كان لقبنا لحمر وكنبتنا بلحيمر لأن جدودنا كان يغلب عليهم أن يكونوا حمر البشرة…بلحيمر أو الروخو كما كان الاسبان الكثيرون الذين كانوا في الجزائر يكنون الحمر).

قبالة نكهة الروبيستا التي كان جدي يعشقها والتي كانت تسمع من بعيد (جدتي كانت تسمع الروائح… ولا أحد علق على هذه الغرابة في حياتي) كان يقبع جدي؛ الرجل الكبير الذي يسميني “الشاوي” لأنني كنت آتي من أقصى شرق البلاد حيث يعمل والدي: “تبسة”، كنت آتي عبر بلاد الشاوية كل صيف؛ لأراه. كان لا يتحدث كثيرا، يقول لي اجلس، أجلس قربه على حصيره الخاص؛ وهو شرف لا يتمتع به أحد سواي؛ أنا “بوخشم” كما كانوا ينادونني بسبب أنفي الأفطس أنا القبائلي الأصل الذي كان يتقصني أنف كتامي محترم. ويغلب على الجلسة الصمت ورائحة القهوة.

لم اكن أحب جدي. كان ثقيل الدم، وإن كنت أحب شكله الفلكلوري الرائع: الشنب العريض. الهيبة الكبيرة، الموقف النهائي من الأحذية والنعال (فقد كان يمشي حافيا) وذلك منذ أيام الثورة التحريرية التي وهبها ابنه الوسيم “صالح”.

كان ذلك كله “فوق الدار”؛ أي فيما وراء السياج فكانت جدتي تتربع بقرب “قهوتها” التي فيها بقعة زيت زيتون عائمة، وهي قهوة على صلة بالقدر، لأنها تتأمل دوما دوامة الرغوة التي في قلبها وتعرف إن كانت هنالك حوالة بريدية ستأتي قريبا ببعض المال أم أن موعد الحوالة لم يحن بعد، يتوقف ذلك على شكل الرغوة ومكان رسوها أخيرا حينما يهدأ اوار القهوة بعد ذورات القدر المعتادة…

تتوقع جدتي دائما أن ينتهي أمر القهوة على حواف أجمل شيء في الدهر لمواجهة الدهر: مجيء مبلغ مالي تشتري به بعض الخيرات العسيرة، مبلغ مالي يضمد جروح فقدان ابنها “صالح” المجاهد الذي قتلته فرنسا لأنها لم تكن ترضى بشيء اقل من كل الخيرات التي في الجزائر: منطق الاستعمار.

هل تقف القهوة قاب قوسين أو أدمى من جرح ما؟

الجروح أيضا كانت تداويها جدتي بالقهوة، فكل نزيف يتم إيقافه بوضع كمية من القهوة على الحرج وتضميده. وكانت طريقة فعالة جدا، لا أدري من أين جاءت بها “الخلاصية”…كانت جدتي تدعى  “الخلاصية” لأنها من قبيلة “أولاد خلاص” وهو اسم أحببته جدا، وكنت صغيرا أعتقد أنها تسمية ذات صلة بالمسيحية وبالخلاص المسيحي. صغيرا، كنت أعتقد أن كل شيء يفسر دينيا، أما الآن وقد كبرت فقد تأكدت بأنه لا تفسير لأي شيء في العالم بعيدا عن الدين…

كان جدي يجافي جدتي دائما، ولا يكلمها ويقول: إنها امرأة عاصية (ولن أرضى عنها، ولا يرضى الله عمن لا يرضى عنها زوجها).

وكانت جدتي غاضبة على زوجها، وتقول إنه عاص لا يصلي والله غاضب عليه.

وكان خالي ابنهما يجافي زوجته بشكل غريب، ويقولون أنه سحر (والسحر في الدين حق، مثلما أن العين حق)…

نزيف عائلي كانت قهوة المساء تضمده جيدا، فقد كانوا يجتمعون بشكل ما على قهوة المساء التي تخرج من إبريق واحد فتوحد ما فرقه الزمن والدين والسحر والاستعمار والأمزجة.

إنه سحر القهوة.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق