روبورتاجات

لغة الضـــــــــــــــــاد.. في المـــــــــــــــــــــــزاد!

تأخر بسنوات ضوئية في الإنتاج المعرفي العربي، ترهل في مجاراة العلم الحديث وعجز عن الترجمة

“بأي حال عُدتَ يا يوم؟” هو لسان حال اللغة العربية في يومها العالمي الذي يوافق 18 ديسمبر من كل سنة، وهو التاريخ الذي يكشف اعتماد الأمم المتحدة للغة العربية كلغة رسمية، واعتباره يوما عالميا منذ 18 ديسمبر من سنة 2012، أما بيت القصيد فلا يتعلق بكونه يوم عالمي من غيره أو تم اعتمادها كلغة رسمية من عدمها، بل المحك الحقيقي يتوقف على التطوير اللغوي المتواصل وإثراء القاموس المعرفي واللغوي العربي بشكل  دوري قصد التأقلم ومجاراة التطور العلمي الحديث، ليس هذا فحسب بل الواجب على الباحثين والمشتغلين في الحقل اللساني اللغوي إيجاد وتقديم مقاربات ونظريات لغوية تكون ذات وزن ابستمولوجي معرفي يفرض نفسه كقوة علمية ومعرفية على الصعيد العالمي، ولعل عدد الناطقين بها عالميا لا يتوافق مع وزنها الضعيف في الإنتاج العلمي على الساحة العالمية، مما يفرض على أصحاب لغة الضاد والغيورين عليها إيجاد الحلول الجذرية لها، من أجل إعادتها لمكانتها التي كانت معرفة قبل قرون من تاريخ العلم، حيث كانت وجهة وقبلة للعلماء الأوروبيين في مختلف تخصصاتهم المعرفية واهتماماتهم العلمية من أجل كسب وتطوير هذه المعرفة حيث كانت فعلا تمتلك رصيدا زاخرا من هذا التراث باللغة العربية من أعمال، جابر بن حيان إلى الخوارزمي وصولا عند أعمال ابن سينا، الفارابي والبيروني.

أرقام مخيفة وواقع أسود

كشفت تقارير عالمية لمنظمة اليونسكو أرقاما مخيفة عن واقع اللغة العربية التي ورغم أنها تحتل المرتبة الرابعة من حيث عدد المتكلمين بها، بعدد مقدر حسب إحصائيات ذات علاقة بـ 422 مليون نسمة حول العالم، وبلغت نسبة المتحدثين بها عبر العالم 6.6%، إلا أن مردودها في الإنتاج العلمي العالمي متأخر كثيرا ولا يتجاوز نسبة 1.1% من الإنتاج العلمي العالمي، حيث يعكس هذا الفارق بين عدد السكان وحجم الإنتاج الهوة العلمية وحجم الكارثة المعرفية، أما عدد الكتب الأدبية والفنية الصادرة في البلدان العربية لم يتجاوز 1945 كتابا في عام 1996 مما يمثل %0.8 فقط من الإنتاج العالمي؛ وهي نسبة أضعف من المعدل الذي يجب أن يتجاوز أو يكون في حدود 6.6% على أقل تقدير.

مفارقة تاريخية.. غير العرب يؤسسون للعربية

إن الحديث عن اللغة العربية ومنتسبيها يقود إلى الحديث عن بعض المفارقات التاريخية والأركيولوجية في السياق اللساني للغة العربية، حيث أن كبار المنظرين في اللغة قدموا أسسا لغوية قيمة، ولا أدل على هذا الكلام من العالم اللغوي الفراهيدي الذي يعتبر وهو أول من وضع علم العروض ، واشتهر بتأليف كتاب معجم العين الذي يمثل أول معجم قائم على الترتيب الصوتي للحروف، وكذا أبو أسود الدؤلي الذي يعتبر واضع لعم النحو وشكل حروف المصحف، و مجد الدين الفيروزآبادي عرف بتأليفه كتاب القاموس المحيط  وسفر السعادة، واللامع المعلم العجاب ، والجامع بين المحكم والعباب، وعلى سبيل المقارنة نجد أن المشتغلين في حقل اللغة العربية المتأخرين لم يحافظوا على نفس المشعل والوزن اللغوي العلمي الذي قدمه أسلافهم، مما يطرح أكثر من سؤال حول الأسباب التي خفضت من قيمة اللغة العربية من أعلى الدرجات إلى أدنى الدركات العلمية.

عجز عن الإنتاج وتأخر في الترجمة

خرجت الكثير من الملتقيات والندوات العلمية الخاصة باللغة العربية إلى مشكلات بدل خروجها وتقديمها لحلول، حيث أظهرت عجزا شبه كلي عن الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية بسبب التطور التقني الذي تفرضه مخترعاتها، ليس هذا فحسب بل عن الإنتاج العربي الخاص والأصيل بها أين بقت تعيش على المفردات التي قدمت في القرون البعيدة الماضية والتي لا يزال العرب يتبجحون بها دون أن يقدموا إضافة لغوية ولسانية تذكر إذا ما قورنت بملايين المنتسبين إليها ومتحدثيها عبر العالم، فعلى سبيل المثال لا الحصر أنتجت دول الشرق الأوسط 204093 بحث من سنة 1996 إلى غاية سنة 2007 في حين أنت إسرائيل وحدها خلال نفس  الفترة 204266 وهذا يظهر أن ما تنتجه دولة بلغة عبرية أكثر مما تنتجه مجموعة من الدول باللغة العربية، أما في الولايات المتحدة الأمريكية فالرقم خرافي ويتجاوز الستة ملايين بحث علمي في ذات الفترة المذكورة،  وهنا ربط الأساتذة والباحثين هذا العجز الإنتاجي بضعف تخصيص مصادر مالية وميزانية معتبرة للبحث العلمي واللغوي حيث تنفق إسرائيل وحدها قيمة ما تنفقه جميع الدول العربية مجتمعة.

رئيس المجلس الأعلى للغة العربية الأستاذ صالح بلعيد  لـ “الأوراس نيوز”

:”نسعى لأن تكون اللغة أحسن من العصر الأندلسي”

أكد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية صالح بلعيد في حديث لـ “الأوراس نيوز” أن المجلس الأعلى للغة العربية في إطار الوضع الراهن لما تعرفه اللغة العربية من مضايقات فإنه يقدم استراتيجية محكمة ومفصلة على ثلاث آماد؛ قريب، متوسط وبعيد المدى لكن هذه الاستراتيجية مبنية على الرهان على التقانة المعاصرة، وضع المنصات وإنتاج البرمجياتـ وتقديم ما له علاقة باللغة العربية كثقافة ولغة حضارة مثلها مثل باقي اللغات الحية، نسعى إلى ازدهارها وتعميم استعمالها والترجمة منها وإليها بخصوص تحقيق فعل الترجمة كثقافة تقف الند للند مع باقي اللغات.

لا نقول أن هذه اللغة ضعيفة والتي مسلمة عند البعض بل نرفع هذه المسلمة واللغة العربية تعاني مضايقات، وهذه المضايقات تقنية أما من الجانب العلمي والمحتوى الرقمي هذا يبقى علينا أن نفعل أنفسنا وأن نفعل المؤسسات لتقديم وإنتاج أفكار مع المهتمين والمختصين لتحدي الرقمنة هذا هو البديل، ففي هذه السنة قطعنا 2018 تحت عنوان اللغة العربية والتقانة الجديدة ونعمل في سنة 2019 أن نراهن على تحدي الرقمنة هذا هو التحدي والرهان الذي وضعناه على أنفسنا، ونعضد على فرق خاصة تأتينا من مختلف الدول من أجل تفعيل اللغة العربية والاستعمال السليم على مستوى المناهج وحسن الأداء واختيار النصوص النوعية الحاملة للثقافة العربية السليمة في عصور ازدهارها مثلما ازدهرت اللغة العربية في عصر الأندلس، لما نقول اللغة العربية فنقصد بذلك الفصيحة وليس الدارجة منها للمحافظة على الخصوصيات لكي نفتح النوافذ ولا نقلع الصفوف، ستعود اللغة العربية أحسن مما كانت في الأندلس عند كان يتباهى المواطن الأوروبي بثقافته الواسعة وسعة اطلاعه من خلال الحديث باللغة العربية وحمل كتب ذات عناوين بالعربية.

رئيس اللجنة العلمية لقسم اللغة والأدب العربي بجامعة باتنة 1البروفيسور هادف السعيد: “اللغة العربية معجزة تحدت تخلف متكلميها”

أشار البروفيسور هادف السعيد أن العيب ليس في اللغة العربية وإنما في الإنسان الذي يتحدث اللغة العربية، فكما يقول نحن شعب لا يقرأ وأصحاب اللسان العربي لا يقومون بالإنتاج اللغوي اللساني العلمي، فقط نقوم بالاستهلاك.

وأضاف: “لغة معجزة مقارنة بتاريخ اللغات يفترض أنها انقرضت، لكنها تجاوزت تخلفنا واستمرت في التواجد، وليس اعتباطا أن يخصها الله بأن تكون خاتمة الكتب السماوية”

وقد استغرب من المستويات القوية للغة  العربية وأصالتها وتفردها حتى عن أقوى اللغات من الناحية النحوية، فالنحو العربي كمثال ثلاثي (اسم وفعل وحرف)، ليس له علاقة باليوناني سباعي  وهذا ما يثبت تفوق اللغة العربية على مثيلاتها التي تعتمد على المقاربة اليونانية، بل من اللغات من يعتمد حتى على القواعد النحوية العربية كالعبرية.

وذهب محدثنا إلى أبعد من ذلك حيث استدل بمحاضرة ألقاها في ملتقى بالمجلس الأعلى للغة العربية مفادها أن اللغة العربية تعطي المرأة حقها ففي التواصل تعطي للمرأة حروف إضافية في الصرف (أنتَ تكتب، أنتِ تكتبين) أضافت لها حرفين، على عكس اللغة الفرنسية  والإنجليزية لا تميز بينهم، وإن حدث فتضيف حرفا واحد فقط (e)  المخاطب المؤنث في اللغة الفرنسية.

حتى التنبؤات العلمية بخصوص مستقبلية اللغات يكشفون أن اللغة العربية ستكون من بين اللغات التي ستبقى صامدة بعد زوال اللغات الأقل تداولا، بل أكثر من ذلك هناك ازدياد وإقبال على تعلم اللغة العربية من غير العرب سيما اللذين دخلوا للإسلام من أجل القيام بمختلف العبادات.

عميد كلية الإعلام بجامعة الأقصى الفلسطينية لـ “الأوراس نيوز” الدكتور ماجد سالم تربان:

“وسائل الإعلام استبدلت اللغة العربية بلهجات محلية”

في حوار جمع عميد كلية الإعلام والاتصال بجامعة الأقصى الفلسطينية مع جريدة “الأوراس نيوز” أقر  أن اللغة العربية الفصحي غائبة بشكل كبير عن واقع الحياة اليومية التي يعيشها السكان، حيث تم استبدلها باللهجات المحلية، وفي إشارة ذات  علاقة قال بأن وسائل الإعلام أرست هذا التوجه وعززت اللهجات المحلية لا سيما في الراديو والتلفزيون

وذلك من خلال البرامج التي تقدمها الترفيهية منها والاجتماعية وغيرها من البرامج الإعلامية.

وما زاد الطين بلة حسب محدثنا دخول مصطلحات أجنبية على اللهجات المحلية

مشيرا إلى خطورة المؤشر وأنه يحتاج إلى وقفة حقيقية، مذكرا بوقفات مختبرات اللغة

في الجزائر العزيزة مثلما وصفها والتي نادت بتعزيز اللغة العربية الفصحي، وعلى هذا الأساس تقع مسؤولية كبيرة على وسائل الاعلام والمختصين والخبراء والتربويون قصد

المساهمة في تعزيز اللغة العربية الفصحي إضافة إلى ممارستها وتطبيقها والخروج من حالة الخلط بين اللغات، وهناك  متغيرات أخرى مثل الاحتلال والغزو الفكري وغياب استخدامها بحجة صعوبة فهمها.

أما عن آليات معالجة المشكلة فقال:

” تبدأ بحملة إعلامية واسعة تشارك بها كل مؤسسات التعليم والتنشئة الاجتماعية أهمها الإعلام والمساجد وتعزيزها شعبيا، وعقد ورش عمل وندوات ومحاضرات شعبية في المناطق كافة لتعزيز اللغة العربية بدلا من ضياعها بين جنبات اللهجة المحلية والأجنبية.

حلول تنتظر التجسيد

بخصوص الحلول المقترحة التي يقدمها البروفيسور هادف السعيد فقال:” أنها تتعلق بمن يتحدث باللغة العربية وليس باللغة العربية في حد ذاتها”.

وأضاف أحيانا يكون القائم على الاهتمام فرانكوفوني ضد اتجاه اللغة العربية ولا يؤمن بها ومن غير المعقول أن تتحسن بهكذا سياسات.

مشيرا إلى ضرورة دعم وترقية  السياسات التربوية التي تضعها السياسات التعليمية في البلدان العربية، وعليها الدول العربية ضخ أرصدة مالية خاصة بتحسين هذا النوع من الدراسات، وقارن ذلك بمثال بسيط بالنسبة للدول الأنجلوساكسونية والفرانكوفونية التي تخصص حجم كبير جدا من الميزانيات التي ترصد لغرض تطوير لغاتها الأم.

ولم يغفل الأهمية القصوى لمشاريع البحث الخاصة باللغة العربية التي توقفت مؤقتا حسبه، وقال أن اللغة مثل العَلَم تعتبر رمز من رموز السيادة الوطنية.

وختم حديثه بقوله لا نحتاج إلى إنسان روبوتي بل  نحتاج إلى إنسان مُنتِج يقدم أفكار تكنولوجية وعلمية حديثة تخدم اللغة العربية بصفة خاصة و العلم بصفة عامة.

بطاهر هشام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق