العمود

للتفكير بصوت عال: شرفات الحراك

شرفة أولى: موقف المبدعين

لقد  سبق لي وصف هذا الحراك بالحلقة المنطقية في مسار طويل ومخاض عسير باتجاه نشأة الأمة الجزائرية (والأمم العربية الحرة بشكل أوسع)، أمة تولد مرارا لأن الأمم لا تولد دفعة واحدة او بقرار سياسي، وإن حدث دلك فهي أمة مكذوبة تنهار سريعا أو تعيش بوساطة العنف.

ليس حراك 22 فبراير في الجزائر طفرة ولا يستطيع أن يكون كذلك، وجانب الطفرة فيه جانبان: أولهما المظاهر التعبيرية التي هي وليدة الزمن الحالي. الايقونوغرافيا الخاصة، الشخصيات الشهيرة التي تتحول إلى أيقونات تعبيرية أو إلى علامات سيميائية يتحاور الشباب من خلالها.

أما الجانب الثاني فهو الوقوف القوي للنخب الثقافية مع جمهور العامة، التوحد التام بين المثقف والإنسان العادي في الصفوف الغاضبة المطالبة بالتحرر والديمقراطية، وللسائل أن يسأل عما يختفي خلف هذا الأمر، والتفسير عندي هو أن الشعب قد تبنى أطروحات هذه النخب الصادحة بمحتويات الشعارات منذ عشرات السنين، فالمثقفون يعملون باستمرار على تزويد الحس العام بمؤشرات وعي ما أعتقد أنها هي التي تبناها الشارع فكانت النتيجة أن المثقف قد اصطف خلف رجل الشارع بطريقة مثيرة للانتباه.

شرفة ثانية: الحقد على النخب

من الغريب أن نلاحظ كل هذا الصخب الذي يعلو في حق المبدعين، وكل هذا النقد الحاقد على النخب مصورا اياه بأنها خائنة متخاذلة وأنها مورطة مع السلطة ومتأخرة عن أخذ موقف واضح من السلطة الفاسدة.

ما استغربه هو وضع كل المثقفين في سلة واحدة، خصوصا إذا ما نظرنا جيدا فوجدنا جل المثقفين وغالبية النخب العظمى ذوي مواقف ايجابية وهامة جدا.

فإن أنت سألت عمن يأخذ الجزائري وعيه السياسي المباشر أو غير المباشر؟ ومن يتابع بشغف من الاعلاميين ومن أصحاب الرأي؟ ومن هم أبطال ساحة الحراك منذ شهرين أو ثلاثة؟ جاءتك أسماء من مثل د. فيصل القاسم، د. أحمد منصور، د. يوسف القرضاوي، د.يوسف زيدان، د. سعيد البوطي،  د. فضيل بومالة، العربي زيطوط، زبيدة عسول، مصطفى بوشاشي، صحفي التحقيقات عبدو سمار، د. فارس مسدور، د.مراد دهينة، مقران آيت العربي، محمد بن تشيكو، …الخ الخ …وكل هؤلاء جامعيون من النخب وليسوا تماما من عامة الشعب، ولو أنهم كانوا من البسطاء لما فعلوا شيئا لهذا الشعب؟

الحقيقة أن هنالك حقدا كبيرا على النخب أصوله قديمة وفروعه عميقة، أصوله تعود على مرحلة وقوف الجامعيين والنخب المتعلمة ضد الهواري بومدين وانقلابه العسكري عام 1965، منذ ذلك الوقت أصبحت المؤسسة الحاكمة (الحزب الواحد ومؤسسة الجيش) معادية للنخب تسوق صورة قاتمة جدا عن المثقفين والنخب، صورة نراها جيدا في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها بشكل كلي المؤسسة الحاكمة، وهذه الفروع التي قد تستشفها في الهجمات الارهابية على المثقفين والفنانين طيلة سنوات الجمر في الجزائر….

شرفة ثالثة: الروايات التنبؤية

كثيرا ما يقال أن هناك بعض الأعمال الأدبية التي تنبأت بالحراك السياسي والتغيير للجزائر وتعرضت للمصادرة والمنع.. أما رأيي الشخصي فهو أن ما في الأعمال الأدبية مما يحلو للبعض تسميته “بالاستشراف” ليس نبوءات غريبة بل هي قراءات استشرافية مبنية على الحس المشترك، على استقراء الواقع العالمي وقياس الواقع المحل عليه…وهي كثيرة جدا في الجزائر، والملاحظ هو أن السلطة عامة لا تلتفت إلى هذه الأعمال الإبداعية وهذا لضعف في فهم السلطة للواقع التي لا تلتفت لقدرة الأعمال التخييلية على تغيير الواقع.

ما قمعته السلطة فعلا هو النشاط الفكري إذ شهدنا في الجزائر طيلة السنوات الفارطة إلغاء عدة محاضرات بسبب عناوينها المثيرة وكلها من باب تنشيط المجتمع المدني ونشر نوع من الوعي السياسي والوعي بدور الثقافة والفلسفة وبحدود المواطنة.

شرفة رابعة: المثقف وفتنة الشارع

المثقف الجزائري التحم مباشرة بالشارع، وقف مع المواطنين البسطاء، صرخ بلغة الشارع البسيطة المباشرة. ولكنه لم ينس دوره التأطيري والنظري. كنت تجد المثقف في بلاطوهات التلفزيون وفي مختلف منابر الميديا – عدا بعض الأسماء الكبيرة التي ظلت مترددة بسبب علاقاتها القوية بالسلطة الفاسدة، وبسبب عدم ظهور الرؤية التي تحتاج دوما الى وقت لكي تتضح- …

من جهة أخرى، المثقف هو الضحية الأولى للنظام الفاسد بسبب طبيعة عمله المقاوم من حيث المبدأ، لذا نجده المتحرك الأول في هذه المناسبات.

وهل هناك رؤية محددة لدى المثقفين تجاه مستقبل الجزائر فيما بعد رحيل بوتفليقة؟

هنالك شبه إجماع  بين المثقفين على بعض المحددات المبنية على تجاوز أخطاء الماضي: تجاوز صراع الهويات، التنوير الضروري لمحاربة أطياف الجهل الكثيرة، التكوين السياسي للشعب لكي يولد المواطن المسؤول الذي يملك زمام أموره، توسيع دائرة الفعل الثقافي كمقاومة فعالة للظلامية التي سهر النظام السابق على نشرها في كل مكان.

 

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق