مجتمع

لماذا لا يجد الجزائري الراحة في عطله السنوية؟

من الطبيعي وبعد سنة كاملة من العمل والبذل المتواصل أن يستفيد كل عامل أو موظف من عطلة سنوية يركن فيها إلى الراحة ويتخلص بها من ضغوط العمل وتعب شهور طويلة، أين تختلف طرق وطقوس الاستفادة من هذه العطلة من موظف إلى آخر، رجل كان أم امرأة ليتساوى فيها العازب برب العائلة فالكل في حق الراحة سواء، كل هذا فقط بغية تجديد الطاقات والعودة إلى العمل بروح متشبعة بالنشاط والمعنويات المرتفعة التي ستكون بعدها سببا وعاملا أساسيا في تحسين مردودية هذا الأخير والارتقاء بمستوى عطائه المهني.

لكن ومؤخرا بدأت ظاهرة غريبة تتفشى في أوساط الجزائريين لتصبح حديث الخاص والعام، أين أصبحت العطلة السنوية أشبه بلاشيء بالنسبة للموظف الجزائري الذي يشتكي عدم إحساسه بها أو انقضائها دون أن يرتاح لا معنويا ولا حتى جسديا، فيعود إلى عمله منهك القوى بمعنويات في الحضيض ما جعلنا نتساءل ما السر وراء هكذا ظاهرة؟؟ خاصة وأنها باتت لسان حال السواد الأعظم من الموظفين والعمال من مختلف الرتب والأسلاك ومن كلا الجنسين.
الأوراس نيوز وبغية الوصول إلى معرفة أهم الأسباب الكامنة وراء عدم تمتع العامل الجزائري بعطلته السنوية وشكاويه المتكررة من عدم وصوله إلى درجة الاكتفاء، كانت لها جولة في شوارع مدينة باتنة أين رصدت مختلف الآراء والتبريرات التي يعتقد البعض أنها العامل الرئيسي في ظهور هذه الظاهرة.

إجابات متباينة وأخرى تتقاسم الفكرة والتوجه والبعض اقرب إلى المنطق من البعض الآخر الذي يبقى ابعد نوعا ما، بحيث ذهب السيد “ن.ب” إلى أن الجزائري بطبعه يعشق الخمول ولو منح شهرين وثلاثة بدل الشهر الواحد لما اكتفى، في حين أكدت السيدة “سامية” أن كثرة الأعباء التي تتحملها الأسرة تجعل العطلة السنوية مجرد انقطاع عن الذهاب إلى مقر العمل لكن هذا لا يعني التوقف عن البذل فما تبذله المرأة العاملة في المنزل أيام العطلة على سبيل المثال اكبر وأثقل مما تبذله أيام الدوام، فالعطلة بالنسبة لها فرصة لتنظيف المنزل وتجديد أثاثه وتحضير “العولة” كما أسمتها وهي مدخرات العائلة من “الكسكس” و “العيش” و “المعجنات التقليدية” ، “التوابل”،” الفريك”، “غسيل الأفرشة الثقيلة” وغيرها من الأمور التي يتعذر عليها انجازها وهي مرتبطة بدوام الثماني ساعات يوميا.

أما السيد “صالح.ب” فقد أكد على آن تزامن ميقات العطل السنوية غالبا ما يكون مع الشهر الفضيل، الأعياد وكذا الدخول المدرسي وبالتالي تكون الفرص السانحة للراحة تقريبا منعدمة فالتزامات العائلة بالتحضير لهذه المحطات الهامة في يوميات العائلات الاوراسية كما الجزائرية شيء لابد منه وأولى الأولويات.

وللحصول على رأي أصحاب الاختصاص والعارفين بكاريزمة الشعب الجزائري وطبيعة تفكيره وكذا عاداته وطقوسه المعيشية، كان لنا لقاء مع الدكتور”بن منصور نصر الدين” أخصائي في علم النفس، والذي أكد على أن العطلة في الأصل هي الخروج من جو العمل وضغوطه وروتينه اليومي بكل شحناته ومواجهاته إلى روتين اقل ضغطا بعيد كل البعد عن ما يقابله يوميا في دوام عمله، وبالتالي فظاهرة العوز إلى الراحة الذي يعاني منه الجزائري يمكن إرجاعه إلى عدد من العوامل أين يكون السبب الرئيسي مادي بامتياز، حيث يحاول الجزائري بطبيعته ونظرا لتدني قدرته الشرائية إيجاد مصدر دخل إضافي أيام العطلة، يستعين بما يكسبه منه على أعباء ومصاريف الأعياد، “مباركات الأعراس” والأفراح والدخول الاجتماعي، أين يضحي بحق نفسنه في الراحة، في سبيل تحصيل مبلغ إضافي يجد رغم كل هذا راحته النفسية فيه لا في غيره هروبا من شبح الاستدانة أو الضيق في الإنفاق.

هذا ويضيف الدكتور بن منصور أن استغلال الموظف آو الموظفة الجزائرية لأيام العطلة لانجاز العديد من الأعمال آو تغطية مختلف الالتزامات على غرار إعادة دهن المنازل ،الأعباء المنزلية من تنظيف وتجديد، استخراج الوثائق الثبوتية للعائلة لاستكمال مختلف الملفات التي تقاعس عن انجازها قبلا ، كلها أمور تجعل من العطلة مجرد مسمى لفاصل مؤقت يعود بعده إلى مقر عمله كما خرج منه قبل شهر أو اقل بقليل، ليكون لغياب الوعي والتخطيط المسبق وتسطير الأهداف من العطلة المنتظر تجسيدها وتحقيقها أكثر ما يشترك فيه الكثيرون أين يغيب الهدف الأساسي من العطلة وهو إعطاء النفس والجسد حقهما من الراحة واعتزال الضغوط وهذا ما نجده من سابع المستحيلات خاصة وان الأولياء بالخصوص يربطون راحتهم براحة أطفالهم ومصالحهم وبالتالي التضحية بحصتهم من أيام العطلة التي من المفترض أن تقسم مناصفة بينهم وبين أطفالهم، وإذا ما كانت الميزانية لا تسمح كانت جدران المنزل وشاشات التلفاز وكذا الفضاء الأزرق المتنفس الوحيد لتختفي بذلك ملامح العطلة نهائيا.

الدكتور”بن منصور” أكد على آن غياب ثقافة السياحة الحقيقية من أهم أسباب تفشي هذه المشكلة في أوساط الجزائريين فليس بالضرورة أن تختار لعطلتك فصل الصيف فللراحة والسياحة متسع من الوقت وأمامك 12 شهرا لك أن تختار الميقات الذي تشاء لتنعم بسياحة جبلية أو صحراوية تغنيك عن ضغوط فصل الصيف الذي يفرض عليك وجهة واحدة يكون فيها الشريط الساحلي سيد الموقف وفوقها تزامنه مع العيدين، نتائج الامتحانات المصيرية، وكذا الدخول المدرسي بثقل مصاريفه.

تعددت الآراء ووجهات النظر في تحليل بسيط لظاهرة غياب ملامح الراحة عن عطل الجزائريين والتي عادة ما يتبعونها بأخرى مرضية لتدارك الأمر وتجديد الطاقات وشحذ الهمم، لمباشر نشاطهم من جديد، ليبقى الواقع أن الجزائري يحتاج لوقت إضافي يرتاح فيه من راحته السنوية في انتظار تبني سياسات التخطيط بوعي لواحد من ابسط حقوق الفرد على نفسه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق