العمود

لنـــــــــرى

وجب الكلام

إن من بين ما خرجنا به من الحراك هو اكتشاف أن للديمقراطية جانبا خطيرا جدا على الشعوب والدول، وأن لها وجها قبيحا عندما يرتبط مفهومها ارتباطا وثيقا بالإرادة الفردية والمطالب الفئوية لا بإرادة الشعوب كمجموعة واحدة تهدف إلى تحقيق مصير مشترك ومطلب مشترك، فمن غير المعقول أن ننتظر نتائج تصب في مصلحة الوطن والبلاد إذا كانت الديمقراطية بالنسبة للأغلبية هي ارتباط مصير الدولة بالحالة المزاجية للأفراد وإذا كانت الديمقراطية مرتبطة بالمتغيرات في بيئة أخرى تختلف فيها الظروف كليا عن الظروف السائدة والتي تتحكم في الدولة المراد تحريرها أو تغيير النظام السياسي القائم فيها.
من بين الأمثلة عن الوجه القبيح من أوجه الديمقراطية هو أن تطالب فئة أو جماعة من الجماعات التي نصبت نفسها وصية على الحراك في الجزائر بتدخل الجيش الوطني الشعبي لتحرير الدولة من العصابة فتتغير المطالب في لحظة وبزاوية مائة وثمانين درجة فتطالب الجماعة بعودة الجيش إلى الثكنات تنديدا بما سمي بالدولة العسكرية أو بحكم العسكر، وحين يحدث انقلاب عسكري في دولة مثل السودان وتتم تنحية رئيسها تعود الجماعة عندنا إلى المطالبة بتدخل الجيش الوطني الشعبي اقتداء بالقوات المسلحة السودانية، وعندما نتحدث عن الجماعة فإننا نتحدث عن أغلبية من الجزائريين ذلك لعلمنا ويقيننا بأن الجماعة التي تقلب الرأي العام الجزائري بين رأي ورأي آخر هي جماعة متمكنة ومتحكمة في الحراك بفضل الدعم الذي تتلقاه ماديا وسياسيا وحتى أمنيا عن طريق عناصر “مدسوسة” في بعض الأجهزة الجزائرية بحكم تغلغل الأيادي الخارجية إلى أي جهاز وأية مؤسسة جزائرية.
أرى أنه من الغباء مقارنة الجيش الوطني الشعبي واحترافيته بتهور القوات المسلحة السودانية، ومن الغباء أن ينادي الكثير من الجزائريين باتخاذ خطوة القوات المسلحة السودانية كمثال وكنموذج يحتذى به في “تقرير مصير الشعوب”، لأن النتائج الأولية باتت واضحة تماما وهي أن الشعب الذي كان ينادي بتخليصه من قبضة البشير والذي كان ينادي بالحرية قد فرضت عليه حالة الطوارئ وحظر التجول أي أن الحرية المحققة هو الانتقال من قفص واسع إلى قفص ضيق، والشعب الذي كان ينادي بالتغيير قد يضطر للانتظار إلى عامين آخرين من أجل تفعيل التغيير بطريقة ديمقراطية إن تمت الأمور كما أراد طبعا هذا غير ما ستجود به الأيام من مفاجآت أرى أن الشعب السوداني سوف لن يكون بمقدوره التراجع ولا المضي قدما في مطالبه.
أرى أن القوات المسلحة السودانية قد عزلت البشير تلبية لنزوة عابرة وهي نزوة “احتضان الشعب” واستعراض القوة وإظهارها للعالم على أنها واقفة إلى جانب الشعب “ظاهريا” طبعا أما الهدف الخفي الذي استشعرته شخصيا هو الوصول إلى نشوة السلطة والتسلط، لهذا فمن الحمق أن نقارن بين جيش وطني شعبي سليل جيش تحرير تهمه السيادة الوطنية وتهمه حماية كيان الدولة وبين قوات مسلحة “ما شبعتش صغرها”، ومن كان يقتدي بالقوات المسلحة السودانية فلا قول له سوى أن الأيام بيننا ولنرى ما هي فاعلة بوصولها إلى الحكم وبانقلابها على “الرئيس”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق