العمود

لنكن صرحاء

وجب الكلام

لقد سبق وأن تحدث المفكر الجزائري مالك بن نبي في إحدى مقالاته وقال فيما معناه أن مرحلة ما بعد الثورة هي أهم من الثورة نفسها، أي أن الحفاظ على مكاسب الثورة أهم من الثورة، ولعل ما يثبت صحة ما قال “بن نبي” هو ما يحدث منذ الاستقلال في بلادنا، فقد نجح الشعب الجزائري في أن يحدث ثورة عظيمة ويسجل أمجاده بحروف من ذهب بعد أن وقف في وجه أكثر القوى الاستعمارية وحشية وشراسة، لكن ما حدث بعد الاستقلال كان أخطر على البلاد من السنوات التي تكبد فيها الجزائريون خسائر في الأرواح بلغت المليون ونصف المليون شهيد إن لم يكن أكثر، ذلك لأن ما حدث بعد الاستقلال كان صراعا من أجل التموقع وصراعا بين أبناء الشعب الواحد فشهدت الجزائر مآسي جراء ذلك راح ضحيتها أكثر من مائتي ألف جزائري.
لنكن صرحاء اليوم مع أنفسنا ومع بعضنا البعض، ونتساءل هل بإمكان هذا الكم الهائل من الجزائريين الذين خرجوا بالملايين للمطالبة بغد أفضل للبلاد أن يحافظوا على الغد إن قدر للجزائر أن تنعم بغد أفضل؟ هل يمكن للجزائريين الذين خرجوا بالملايين من أجل أن يحرروا البلاد من العصابة ويحرروا الإعلام ويحرروا القضاء أن يحرروا ذلك الإناء المربوط بخيط في المنابع الطبيعية وفي المساجد كي لا يسرق؟ هل يمكن للجزائريين الذين خرجوا بالملايين يدعون أنهم أكثر الشعوب وعيا وحرصا على إعطاء الدرس في السلمية أن يكونوا أكثر وعيا في الملاعب ويحرصوا على إعطاء دروس في السلمية والروح الرياضية؟ هل يمكن للجزائريين الذين خرجوا بالملايين للمطالبة بمحاسبة المتورطين في استنزاف خيرات البلاد أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وأن يلتحقوا بمناصب عملهم في الوقت المحدد ويوقفوا معاناة المواطنين مع الانتظار لساعات طويلة في مختلف المؤسسات والهيئات من أجل قضاء مصالحهم؟ وهل سيتمكن التجار الذين خرجوا ينتفضون ضد العصابة أن يكفوا عن الغش في الميزان؟ وهل سيتمكن العاملون في مختلف المؤسسات التربوية والإقامات الجامعية أن يكفوا عن سرقة “حق التلاميذ والطلبة” من لحوم وخضر وفواكه وعلب ياؤورت وجبن وتونة وحتى الكاشير؟ وهل سيتمكن كثير من الأساتذة المؤطرين ورؤساء المخابر في الجامعات من الإفصاح عن الأموال التي تخصصها الوزارة الوصية لإعانة طلبة الدكتوراه من أجل حضور الملتقيات والمؤتمرات ومن أجل إعداد البحوث العلمية؟ أسئلة كثيرة لابد أن يجيب عنها الجزائريون بصراحة كي نقيس مدى صدق ومصداقية من خرجوا مطالبين بوطن مثالي أثقل كاهله العفن من أصغر فرد إلى أكبر عصابة.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق