العمود

لولا الجيش

وجب الكلام

من المؤسف بل ومن المؤلم جدا أن تحل علينا أيام أظهرت لنا أن كل ما كنا ندعيه من وعي كان سرابا في أفق الحقيقة، أظهرت لنا أن الوعي بالنسبة لنا كان مجرد ورقة طبع عليها ختم “كلية من الكليات” أو جامعة من الجامعات، وأظهرت لنا كذلك أن كل ما كنا نفخر به من ذكاء و “دهاء” كان في غير محله وكان مستغلا في حدود تأليف النكت والطرائف، وفي صقل المواهب لا الأفكار، لأن الذكاء بالنسبة لي هو القدرة على التفكير بعقلانية وبحكمة ورزانة في عز الأزمات، والذكاء بالنسبة لي هو القدرة على التمييز بين ما هو أصلي وما هو مزيف عندما يختلط الحابل بالنابل، والدهاء بالنسبة لي هو عدم الاستسلام بسهولة للخطابات الشعبوية والغزل السياسي ولأفكار عصابات بديلة سيطرت بكل خبث على عقول المغرر بهم من شباب هذا الوطن.
من المؤلم أن يأتي الحراك ليظهر لنا هشاشة الجأش لدى كثير من المطالبين بالتغيير، ويظهر لنا أن الكثير منهم قد سهل اختراقهم وزعزعة ثقتهم في أي حل مهما كان منطقيا ودستوريا، والمؤلم أن يأتي الحراك لينقلنا من المطالبة بالتغيير والمضي قدما في سبيل الإصلاح إلى السفر للوراء واجترار أزمات الماضي بالتعنت ووهم الوعي الزائد، حتى أصبح النعيق للأسف يطرب الكثير من الجزائريين من وراء البحار حاجبا عنهم في ذلك أصوات الحق.
حقيقة لابد من قولها، نعم، نعترف للحراك بأنه كان سلميا إلى أبعد الحدود، ونعترف للجزائريين بأنهم اتفقوا على السلمية وثبتوا على السلمية طوال أسابيع، لكن الأمر الذي لا بد أن يعيه الجميع ولابد أن نقوله ولا نخشى فيه لومة لائم، هو أن الحراك ما كان لينجح لولا تدخل الجيش الذي “ضغط” على العصابة ووضعها أمام الأمر الواقع وأجبرها على تسليم مقاليد الحكم والانصياع للدستور الذي لا يمكن الخروج عن إطاره مهما كانت الأزمة دحرا لأزمة أخرى أشد بأسا، وما يجب أن يعرفه الجميع هو أن عصابة كالتي كانت تصول وتجول في دهاليز الحكم ما كانت لتستجيب “لحراك سلمي” لا يزعجها في شيء بل على العكس تماما، فقد أضفت البربوشة والشخشوخة والأغاني الفلكورية والرقصات الشعبية صورة راقية عبرت عن “ديمقراطية العصابة”، وما يجب أن يعرفه الجميع هو أن الحراك لو لم يكن سلميا لأتاح الفرصة لقمعه في أولى أيامه بل حتى في أولى ساعاته فالعصابة ما كانت لتتردد في إسقاط أي عدد من الضحايا من أجل الحفاظ على السلطة بمباركة من القوى التي يؤلمها أن تنعم الجزائر بالأمن والاستقرار في إطار حلول دستورية.
ما يجب أن يعرفه الجميع هو أنه لو لم يتدخل الجيش في اللحظات المناسبة وفي الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، ولو لم يقف الجيش إلى جانب الشعب لما استطاع الشعب أن ينال شيئا بالسهولة التي نال به جل مطالبه “الدستورية”، ولو أتيحت مهمة تحرير الوطن من العصابة لغير الجيش الذي لا يمكن لأحد أن يزايد عليه في الوطنية لأصبحت الجزائر اليوم “ذاعشوش”.
إن الانسياق وراء “عصابة بديلة” ترى في الجيش عائقا أمام تحقيق أهدافها وأطماعها هو انسياق بغير وعي إلى “غابة” في هيئة دولة، لهذا فأظن أن أفضل حل هو التريث والإنصات إلى صوت “العقل” وتغليب الحكمة على التهور وتبني مطالب تعجيزية لأن القاعدة الأساسية في توجيه التائهين هي العودة إلى “نقطة التلاقي” ونقطة التلاقي هي سليل جيش التحرير الوطني وبدونه فلا ضمان للخروج بالبلاد من الأزمة.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق