العمود

ليست صدفة

وجب الكلام

لازلت أذكر ما قاله أستاذ اجتماعيات أيام الثانوية عندما أراد أن يتحدث عن الدولة العثمانية وأسباب سقوطها، وأذكر أنه تحدث عن مبالغتها في أيامها الأخيرة في تنظيم ما يسمى في لهجتنا بالزردات والأعراس والحفلات بمناسبة وفي غير مناسبة، حتى أن الأستاذ أراد أن يضفي على الدرس جوا من المرح فأضحكنا بقوله أن حتى بعض العائلات التي كانت تعمل في مجال الفلاحة وتربية الماشية كانت تذبح كباشا للاحتفال بميلاد حملان جديدة، وقد أراد الأستاذ بهذا أن يصف لنا حال الدولة العثمانية ومبالغتها في “إقامة الأعراس”.
لا ندر أية علاقة “صحيحة” تربط العثمانيين بالجزائريين؟ لكن دعونا نقول أنها “علاقة تاريخية” وعلاقة تشابك الحضارات وكفى، ولهذا فإن الجزائريين اليوم أراهم يشبهون العثمانيين في حبهم للزردات، والجميل في هذا الأمر أنه كان مفيدا جدا لضمان “السلمية”في أي حراك شعبي يراد منه تحقيق أهداف سياسية، فالثقافة الجزائرية المبنية أساسا على “الزهو” أراها مفيدة جدا في الظروف الصعب التي يمكن أن تمر بها الدولة الجزائرية على الأقل في البدايات، فالزردات التي امتصت النسبة الأكبر من الغضب الشعبي على “الجماعة” قد جنبت الجزائر خلال خمس أسابيع انزلاقات كانت قد دعت إليها جهات مختلفة بطرق مختلفة.
أظن أن من هندس الحراك الشعبي ما كان ليعطي إشارة انطلاق “مشروع التغيير” أو بالأحرى مشروع “إسقاط الجماعة” لو لم يخبر عقلية الجزائريين جيدا، فمن هندس للسلمية شخص أو جهة لعبت بطريقة ذكية على وتر حساس لدى الجزائريين وهو وتر “المرح” أو ما يسمى في لهجتنا اقتباسا من اللغة الفرنسية بـ”لومبيونس” فمن الغريب بل ومن النادر أن ترى في كل بلدان العالم شعبا يمارس حياته الطبيعية جدا في مسيرات منددة بالظلم والاستبداد ومطالبة بالتغيير بناء على أهداف سياسية.
أن يستطيع الملايين من أبناء الشعب الجزائري الاتفاق على طريقة واحدة وأسلوب واحد في التعبير عن مطالبهم ولا يستطيع عمال قطاع ما لا يتعدون بضع مائات أن يتفقوا على “السلمية” ولا حتى على “التحكم في أعصابهم” فإن ذلك ما يعني أن مهندس الحراك شخص أو جهة “متمرسة” وبلغت من الدهاء ما بلغت حتى تتمكن من جمع الصالح والطالح من أبناء الشعب حول “السلمية” والزردات في حين لا يمكن بأي شكل من الأشكال لأحد أن ينظم “عرسا في دشرة” دون اختلافات في وجهات النظر والآراء ودون خلافات.
ليست صدفة إذن أن يخرج أبناء الشعب متفقين على “السلمية” لو لم تكن الهندسة صحيحة، فالسير على نفس الوتيرة خلال خمس أسابيع يعني أن هندسة الحراك كانت مبنية على “نقطة مشتركة” لا تسقط بالتقادم والنقطة المشتركة بين كل أبناء الشعب الجزائري باختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم هي “المرح” وروح الدعابة وحب “الظهور” ولفت الانتباه كل بطريقته، وقد لعبت وسائط التواصل الاجتماعي دورا هاما في استمرار سلمية الحـــراك فهي من ضمنت استمرارية المرح والظهور.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق