العمود

ليس كل ما يعرف يقال

بكل وضوح

في آخر حجة لعمر بن الخطاب أتاه في منى شخص وقال له أن شخصا آخر قال أنه سيبايع فلانا إذا مات عمر، فانتفض عمر وقال “إني قائم العشية إن شاء الله في الناس فمحذرهم من هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم”، وكان عمر بن الخطاب يقصد أمر الخلافة والحكم، ثم نطق عبد الرحمن بن عوف قائلا للخليفة “يا أمير المؤمنين، لا تخطب في الناس في الموسم، فالموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وإنهم الذين يغلبون على مجلسك، وإذا قمت في الناس فأخشى أن تقول في الناس مقالة يطير بها أولئك فلا يعوها ولا يضعوها مواضعها، بل انتظر حتى تذهب إلى المدينة فإنها دار الهجرة فتخلص بعلماء الناس وأشرافهم فتقول ما قلت متمكنا فيعون مقالتك ويضعونها موضعها”.

كانت القصة متعلقة بعمر بن الخطاب الذي يعتبر من أكثر الناس علما ومعرفة بالحق ودفاعا عن الحق ومن أكثر الناس حكمة، إلا أنه لم يجد حرجا من أن ينصت لمن هو دونه فيما ميزه الله به من “علم ومعرفة”، والذي نبهه إلا أنه ليس كل ما يعرف يقال، فالحماسة قد تجر الإنسان مهما كان علمه إلى الخطأ بالتسرع والتهور، والغضب أيضا، وهناك ما يعرف على أنه حق لكنه لا يقال في أي زمان وفي أي مكان بل إن لكل مقام مقال.

لقد عجت مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية بمقطع فيديو لناشطة يقال أنها دكتورة وهي تلقي محاضرة عن أصل من أسمتهم “الأمازيغ” وقالت أنهم قد وجدوا في شمال أفريقيا حتى قبل “آدم”، وقد استندت في قول ذلك إلى أبحاث ودراسات ونظريات مبنية على “علوم ما” لا على ما ينص عليه دين الإسلام الذي هو دين الدولة، وحتى وإن كان ما قالت صحيحا في نظر الباحثين “اللا دينيين” فإنه أمر لا يجب أن يقال في هذا الوقت بالذات، فلربما كانت حماستها زائدة لمجاملة المعتزين بالهوية الأمازيغية فدفع بها لأن تقول ما لا يجب أن يقال، لأن ما قالته يدخل ضمن ما يؤجج الفتنة في البلاد، وما يثير اللغط وأرى أنه من الخطأ أن يجهر بأي قول أو فعل من شأنه أن يخلق بلبلة في الوطن الواحد حتى وإن كان حقا فكيف إذا كان باطلا؟

إذا كان عمر بن الخطاب قد تراجع عن قول الحق لتفادي التأويلات فكيف لناشطة أن تلقن الناس الخرافات وتدعي أنها علم؟ فحتى وإن كانت علما فما كان يجب أن تجهر به لأن فيه مساسا بحرمة “الدين” الذي هو دين “الدولة” وهي من تحجبت امتثالا لهذا الدين؟ فهل تنقل للناس ما لا تؤمن به لمجرد أن تجاملهم أم أنها قد تحجبت عن غير قناعة؟ وإذا كانت “مؤمنة” فكيف تنقل للناس ما لا يتوافق مع ما أتى في الدين؟ وبالتالي فهي بهذا تشكل “كتلة من التناقضات” وتجمع بين رأس متحجب “مسلم” وعقل “لا ديني”؟

عبد العالي بلحاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق