العمود

مازلنا بعاد

وجب الكلام

قد يقول قائل بأن هناك مسؤولين في الجزائر قد بلغوا تلك المرحلة من حب العمل وتلك المرحلة التي قد يضطر المواطن لأن يرضى فيها عن المسؤول بناء على ما يظهره من إصرار على أن يكون مختلفا عن البقية على الأقل من ناحية تحكيم الضمير وصون الأمانة التي ائتمن عليها من طرف الشعب ومن طرف الدولة، والواقع يفرض علينا أن نعترف فعلا بوجود مسؤولين أكفاء ومخلصين وذوي ضمائر حية، لكن هذا لا يعني أنهم قد بلغوا تلك المكانة التي يضطروننا بها لأن نكف عن توجيه النقد لطريقة العمل وطريقة التعامل حتى مع تفاصيل صغيرة قد تبدوا غير مهمة وربما روتينية إلا أنها في جوهرها تعني الكثير.
المسؤول الحقيقي في نظري هو ذلك المسؤول الذي يعمل بمبدأ أن المواطن هو المسؤول الأعلى رتبة، والمسؤول الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يعمل في مؤسسته يوميا بنفس الوتيرة التي يعمل بها أياما قبل زيارة مسؤول أعلى منه رتبة، فنحن نلاحظ بصورة متكررة كيف أن المسؤولين يؤجلون أعمال التنظيف والصيانة في مؤسساتهم المسؤولين عنها إلى حين قدوم مسؤول أكبر وكأن المؤسسة قبل الزيارة لا تحتاج لتنظيف وصيانة، وأنا أرى أن المسؤول الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يقوم بمهامه المكلف بها كمسؤول يوميا كما لو أن كل يوم زيارة، فمعظم التحضيرات التي يقوم بها أغلب المسؤولين في أغلب المؤسسات تحسبا لزيارة مسؤول ما هي نفسها المهام الروتينية التي يجب على كل مسؤول أن يقوم بها في إطار ما كلف به من مهام على رأس المؤسسة أو الهيئة التي يرأسها، فالكثير من المؤسسات تحتاج لإعادة التهيئة لكن المسؤول لا يكلف نفسه عناء إعادة تهيئتها إلا إذا علم بقدوم مسؤول أعلى منه رتبة، وكثير من المؤسسات تحتاج لإعادة تنظيم في هياكلها ومرافقها لكن المسؤول لا يقوم بذلك إلا إذا تلقى “فاكس” يخبره بأن المسؤول الفلاني قادم في زيارة عمل وتفقد للمؤسسة، وكثير من المؤسسات بحاجة إلى صرامة في التعامل مع الموظفين والعمال من أجل تسيير أمثل لكن المدير يظل متغاضيا عن التسيب وينتفض فجأة عند قدوم مسؤول ما، وكثير من الأمثلة التي لا يتسع المقام لذكرها هي التي توحي بأن أغلب المسؤولين في الجزائر لا يمارسون مسؤولياتهم إلا “خشية” من المسؤول الأعلى وتفاديا لعتاب الوصاية، لهذا فإني أرى أننا “مازلنا بعاد” عن كوننا مسؤولين بما تحمله كلمة مسؤول من معنى، فطالما أن المسؤول يعمل من أجل إرضاء المسؤول الأعلى منه وفي أوقات معينة فقط فلا يمكن أن نقول أنه يمارس دوره كمسؤول بصورة صحيحة، لأن المسؤول الحقيقي هو الذي يعمل في مؤسسته على نية ألا يضطر يوما ما للتحضير “بطريقة مجنونة” لاستقبال من هو أعلى منه، والمسؤول الحقيقي هو الذي لا يحتاج لاستقبال المسؤول الأعلى منه سوى للوقوف وإلقاء التحية طالما أن مؤسسته تسير منذ البداية على أحسن ما يرام.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق