العمود

ماكرون ووهم الاحتقلال

وجب الكلام

هناك عبارة شعبية متداولة في الثقافة الأوراسية باللهجة الشاوية تقول “آك ما ليغ ذوقذرار ثيط اينو فونار”، وقد قيلت هذه العبارة على لسان “طائر آكل للقمح”، ومعناها باللغة العربية “حتى وإن كنت في الجبل فعيني على الرحى”، أي أن الطائر آكل القمح دائم النظر إلى “الرحى” يرقب خلوه من الناس كي يطير إليه ويتناول ما تبقى من حبات قمح أيا كان مكان تواجده، وعلى ما يبدو فأنسب من يمكن إسقاط هذه العبارة عليه وعلى تصرفاته وعلى أقواله هو الرئيس الفرنسي “ايمانويل ماكرون”، فقد اتضح أنه بات يرقب ويترقب ما يحدث في الجزائر رغم أن الأولى به الاهتمام بشؤون بلاده بصفة خاصة وبآخر التطورات في “مالي والصحراء الغربية” بصفة عامة، حتى أنه لم يهتم “بموت” القنصل الفرنسي بالمغرب في الأيام القليلة الماضية وراح يتطرق في حوار له مع جريدة “جون آفريك” إلى ما أسماه عملية انتقالية بالجزائر، حيث قال بأنه سيساعد الرئيس عبد المجيد تبون “الشجاع” على إنجاح العملية الانتقالية، وقال بأنه لا نجاح لقارة افريقيا إلا بنجاح الجزائر، وإن كان هذا الكلام “عسلا” من حيث اللفظ فإنه بالنسبة لنا كجزائريين بصفة عامة وكصحفيين بصفة خاصة ذو معنى عكسي لما هو منطوق، وكأن ماكرون يرغب في القول بأن لا “سيطرة على افريقيا وثرواتها” إلا بالسيطرة على مراكز النفوذ في الجزائر.

ماكرون بات يتحدث عن الجزائر وكأنها “لبنان”، أي أن لهجة ماكرون عند الحديث عن الجزائر لا تختلف عن لهجته وهو ينصب نفسه “ولي أمر” على لبنان، ومعنى هذا أن ماكرون قد بات يخوض في شؤون الجزائر كما لو أنها ملحقة أو مقاطعة من المقاطعات الفرنسية ويبدو أنه نسي أو تناسى بأنه يتحدث عن “دولة مستقلة”، أي أن ماكرون قد بات يتحدث من منطلق أن الجزائر بالنسبة له دولة “محتقلة”، أي دولة مستقلة سياسيا لكنها محتلة بعلاقتها الدبلوماسية مع فرنسا التي لا يمكن الانفلات منها مهما كان الثمن.

في ذات السياق قال ماكرون بأن معالجة أزمة الذاكرة تكون بتجسيد المصالحة وليس بتقديم الاعتذار عن جرائم الحقبة الاستعمارية، أي أن ماكرون قد أوضح بأن لا نية لفرنسا في “الاعتذار” وكأنّا به يملي شروطه لتجسيد المصالحة أو أنه يفرض منطقه في كيفية “تجسيد الشراكة بين الجزائر وفرنسا”، وربما لا يعلم ماكرون بأن الجزائر “عبارة عن شعب” وعبارة “عن تاريخ” وعبارة عن كيان وهوية وامتداد لحضارات أكبر منه ومن بلده ولهذا فعلى ماكرون أن يعلم بأن من أعراف “الجزائر” كتاريخ وكحضارة وكشعب وكوطن وكدولة لم ولن تقبل “بما يملى عليها” فهي أكبر من أي مسؤول وأكبر من أي طرف سياسي لأنها “بلد ووطن ودولة” وليست حزبا أو جمعية أو ملكا خاصا لهذا أو ذاك، لهذا فالأجدر على ماكرون أن يراجع أزمة الذاكرة “مع نفسه” فهو أكثر من ارتكب جريمة في حق نفسه بتنازله عن “نفسه” وقبول دور “الفزاعة” التي لا تهتز لموت “الفرنسيين” وتهتز “عندما يتعلق الأمر بدولة لها رجالها ولها أبناؤها ولها شرفاؤها ولم ولن تقبل “شروطا من فتى بريجيت”.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق