الأورس بلوس

ما تنحنح عليّا ما نحنح عليك؟!

لكل مقام مقال

“النّحيح” لغة هو صوت يردد في الجوف كالكحة.. و”تنحنح” عندنا بالعامية ترديد “أحم أحم” لغرض إخباري الهدف منه إفساح الطريق أو الحضور.. وقد “نتنحنح” من ضيق في التنفس أو لشعور بالإحراج، أو للفت الانتباه لشيء ما.. وقد جاء هذا المثل الشعبي الذي هو في أصله قصة تحمل طابعا فكاهيا بين نكتة هادفة ونقطة فيها الكثير من المعاني تعبيرا عن ترجيح “المصلحة” الخاصة عن العامة وتجاوزها إل حد تجاهلها الكلي.. فيذكر أن قرية صغيرة نائية.. أراد أهلها أن يبنوا لهم مسجدا جامعا يصلون فيه ويحتكمون عند إمامه، وما يميز هذه القرية أنهم لا يعرفون عن الإسلام سوى كونهم مسلمون.. فلا هم يحفظون القرآن ولا هم يدركون تعاليم الدين الصحيح.. ما جعلهم عرضة للاستغلال من طرف “أدعياء” ينتسبون كذبا “للمشيخة” و”الإمامة”.. وحدث أن مات “إمامهم” المزعوم السابق.. فأرسلوا بطلب للوالي يسألونه إماما جديدا وإذ هم ينتظرون مجيئه تصادف أن مرّ عليهم “زعيم عصابة” معروف في القرى المجاورة باحتياله على الناس لكنهم يجهلون هويته فظنوا أنه “الإمام” المطلوب فرحبوا به وأكرموه أيّما إكرام وأمّروه عليهم فاستغل جهلهم وسايرهم، لكنه لم يكن يحفظ من القرآن شيئا هو الآخر..وإذ هم مجتمعون لصلاة الجمعة لمح زعيم العصابة فردا من عصابته في أول صفوف المصلين وهو يشير له بفضح أمره إن لم يتشاركا “الغنيمة” و”السيادة” على القرية وكل “العطايا” و”الامتيازات” التي حظي بها “زعيم العصابة” في فترة وجيزة.. فكان أن أكثر الرجل من “النحنحة” للفت انتباه الزعيم لإشاراته وتلميحاته فرد عليه الزعيم ليشتري سكوته وعدم فضحه أمام أهل القرية المُستغفل أهلها والذين منحوه أربعين بقرة هدية وزادوه ما زادوه.. واتجه نحو القبلة بادعاء أنه يصلي بهم وبزعم أنه يقرأ آية قرآنية “ما تنحنح عليا ما نحنح عليك.. ربطوني بأربعين بقرة عشرين ليّا وعشرين ليك.. ” فقال الرجل آمين ويقصد قبلت عرضك.. وعرفت بعد ذلك قصة الرجلين وتناقلها العامة وأصبحت عبارة ” ما تنحنح عليّا ما نحنح عليك” مثلا يضرب عند افتضاح الأمر وتشارك المصلحة.. “ما تنحنح عليّا ما نحنح عليك”.. يضرب هذا المثل كناية عن قولنا أعلم ما تعلم والمصلحة تقتضي “ضرب النح”.. وما أكثر “ضاربي النح” عندما يعلو صوت المصالح عن المبادئ.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق