العمود

ما لا يُناقش

وجب الكلام

إن حرية التعبير وإبداء الرأي والجلوس على طاولة الحوار لمناقشة أمر ما لهي الوسيلة الفعالة حتما في تشريح الكثير من القضايا من أجل الكشف عن أسباب المشاكل والأزمات بهدف الوصول إلى النقاط المشتركة بين مختلف الأطراف التي لها علاقة وصلة بقضية ما أو بمشكلة ما، وبالتالي فإن للاختلاف في الرأي فاعلية في تحديد من هو على حق ومن هو على خطأ أو ربما من تم التغرير به ليصور له الحق باطلا والباطل حق، غير أن الذي نراه في المقابل هو أن كثيرا من القضايا وكثيرا من الأمور لا يفضل طرحها للنقاش ولا يفضل حتى الخوض فيها، لأن القضايا الحساسة في نظرنا قد يزيد النقاش حولها من تأزم الوضع أكثر فأكثر، بمعنى أن هنالك بعض القضايا وبعض الأمور التي لا يفترض أبدا تحويلها إلى ملف أو قضية رأي عام، لأن طرح أمر ما كقضية هو أن نجعل للقضية أنصارا ومعارضين وعندما نطرح قضايا حساسة للنقاش فإننا نرغب في تقسيم الآراء حولها، وبهذا نحول القضية من أمر “مسلم به” إلى أمر “قابل للنقاش وقابل لتغييره وتغيير نظرة الناس إليه أو زعزعة إيمانهم به”.

هناك أمورا وقضايا متعلقة بتاريخ الشعوب ومتعلقة بمبادئ الدول والشعوب ومتعلقة أيضا بمقدسات الدول والشعوب ومتعلقة حتى بالعقيدة، وغالبا، عندما ينظر إلى مثل هذه الأمور “في دولة ما” على أنها مسلمات فإن ذلك ما يجعلها بمنأى وفي معزل عن أي تغيير وذلك ما يجعلها من الأمور التي لا يتم التفاوض بشأنها ولا النقاش حولها، لكن، إذا ما أتيح لفئة ما أن تطرح قضية من القضايا التي يسلم بها الشعب والدولة فإن ذلك ما يجعلها قضية للنقاش، وعندما تطرح قضية ما للنقاش فإن ذلك ما سيسهم في تحويلها من “مسلمة” إلى أمر أو قضية يمكن التخلي عنها بسهولة، وعلى سبيل المثال، فالنشيد الوطني الآن هو بمثابة مسلمة من المسلمات لدى الدولة والشعب، وثابت مقدس من مقدسات الدولة، لكن، لو تتاح لفئة ما حرية التعبير أكثر قليلا مما هو متاح الآن سوف لن تتوان عن الحديث عن النشيد الوطني لطرحه كقضية للنقاش وعندما يطرح هذا الأمر للنقاش فالأكيد أن الجزائريين سينقسمون إلى مؤيد لفكرة “قدسية النشيد” وضرورة الحفاظ عليه ثابتا من ثوابت الأمة لا يقبل التغيير وإلى معارض للفكرة لأي سبب من الأسباب هؤلاء الذي لا شك سيجدون ألف مبرر وحجة لإقناع الغير بفكرتهم، وحينها ستصبح المسلمة “أمرا وقضية قابلة لإعادة النظر فيها”.

الذي نود قوله، هو أن تطويع شعب ما وأيا كان هذا الشعب يبدأ بتحويل المقدسات والقضايا الحساسة والمسلمات والثوابت إلى قضايا قابلة للنقاش، ولهذا فنحن نرى أن أية دولة تسمح بأن تمتد حرية التعبير إلى “المقدسات” هي دولة لا تلبث أن تضيع مقدساتها تحت وطأة “الرأي والرأي الآخر” وتحت مسمى “الديمقراطية وحرية التعبير” ، وإنما الدول مقدسات وثوابت وقيم ومسلمات، إن هي هُزّت مقدساتها وثوابتها ومسلماتها ضاعت.

حمزه لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق