العمود

ما هكذا نغير

تعج المواقع بخطابات التيئيس التي يطلقها هذا وذاك والتي تبعث بالرغبة الملحة في الهجرة ومغادرة تراب الوطن إلى بلاد الغربة بحثا عن ظروف وبيئة أفضل، بحثا عما يسمى بالبلاد التي يطبق فيها القانون والتي يسود فيها العدل والتي لكل ذي حق فيها حقه، فهناك يعتقد الكثير من أبناء المجتمع الجزائري أنهم سيجدون ما ليس موجودا في بلادهم ويتاح لهم هناك ما ليس متاحا لهم هنا، وعندما نصادف ذلك الكم الهائل من المنشورات ومن الشكاوى نضطر لأن نغوص في أعماق المجتمع ونحاول استكشاف الأسباب ومعرفة المتسببين، فنجد حتما أن الرداءة والعفن في كثير من المؤسسات والقطاعات ونجد البيروقراطية العرجاء ونجد الفساد ونجد التهاون والاستهتار والاستخفاف بمصالح المواطنين ونجد أيضا “الحقرة والتهميش”، هذا فيما يخص الأسباب، أما المتسببون فهم ببساطة أولئك الذين يمارسون “الأسباب”، حيث يقول البعض أنهم السياسيون والمسؤولون، وهذا صحيح نسبيا، ونقول نسبيا لأن الأسباب نراها تنتشر أكثر في محيط المواطن الضيق أي في حياته اليومية بغض النظر عما يحدث “فوق” أي في المؤسسات الكبرى الأخرى كالبرلمان والوزارات وغيرها، فالذين يمارسون الفساد والحقرة والتهميش والبيروقراطية والعفن في التسيير هم مجرد مسؤولين صغار ولدوا في الأحياء الشعبية، وترعرعوا في القرى والمداشر وتسلقوا فوصلوا إلى المناصب التي يمارسون باسمها ما يمارسونه من فساد يدفع إلى الرغبة في الهجرة، والذين يحملون على عاتقهم مهمة محاربة مثل فساد هؤلاء المفسدين عادة ما يكونون ممثلي فعاليات مجتمع مدني، والأمر الأكثر إيلاما هو عندما نجد من يحارب “المفسدين فاسدا” ومن يحارب الاختلاس مختلسا ومن يحارب الفساد الأخلاقي فاسق.
مشكلتنا في الجزائر هي أن كثيرا ممن يدعون رغبتهم في محاربة الفساد ليسوا يسعون إلى محاربته فعلا، بل يسعون إلى تجسيد عبارة “نلعب ولا نحرم”، والدليل على ذلك هو أن كثيرا من الأميار الذين رفعوا شعار “التغيير” في الحملة الانتخابية هم الآن ينامون في العسل ويفسدون أكثر مما أفسد من قالوا أنهم سيحاربونه، ومشكلتنا أيضا هي أننا لم نستطع التحرر لحد الآن من ثقافة “التكسير” وتحطيم المرافق والممتلكات العمومية، حتى ننتقل إلى التحرر من تكسير وتحطيم الأفكار والسياسات والإيديولوجيات، ولست أفهم كيف لنا أن نغير “سياسة ما” أو “مسؤولا ما” إذا لم نستطع حماية أحيائنا ولم نستطع حماية “أعمدة الإنارة العمومية” بالتربية السليمة ونشر ثقافة أن حماية البلاد وتغيير الأوضاع تبدأ بحماية الممتلكات العمومية وتغيير “الذهنيات”؟
عبد العالي بلحاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق