ثقافة

“محمد حراث”.. شاعر فذ يسهم في إثراء الساحة الأدبية الجزائرية بدواوين شعر تحلق في سماء الإبداع

شاعر لم يستحق لقب الشاعر إلا بعد عناء وطويل اطلاع على ابداعات فحول الشعراء العرب في كل الأزمان والأمصار، وإبحار بين أمواج الشعر بين مد وجزر لتتفتق قريحته عن أجمل الأشعار وأسمى المعاني، إنه الشاعر محمد حراث، أستاذ محاضر في جامعة حسيبة بن بوعلي بولاية الشلف، وخبير وعضو في اللجنة العلمية لإنجاز معجم الثقافة الجزائرية، وإنجاز المعجم التاريخي للغة العربية يحل علينا ضيفا مميزا في جريدة الأوراس نيوز

ــــــــــــــــــــــــ

حوار: ايمان جاب الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 يقال إن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، متى وكيف كانت أولى خطواتك في مجال الشعر؟

الشعر عندي كان نتيجة لحب المطالعة والقراءة التي تربيت عليها منذ كنت صغيرا، كانت في البيت مكتبة أدبية ثرية بكتب دينية وأدبية، وكنت أجمع بين كتبي المدرسية وبعض كتب الأدب من روايات ودواوين شعرية، هذا ما جعلني أميل إلى حب اللغة العربية في جميع مراحلي الدراسية، وكانت أولى بداياتي في مرحلة الثانوية، وأتذكر أنني كنت أنظم بعض الحكم التي أجمعها وبعض دروس العلوم الإسلامية، متأثرا بما كان يفعله الإمام الشافعي رحمه الله في بعض أبياته. وقد اخترتُ أول الأمر من بين الأجناس الأدبية: الشعر الفصيح الموزون العمودي، متأثّرًا ومُعجَبًا بالقصيدة الجاهلية، وبالمدرسة الخليلية في العروض. فبدأتُ أحاول مقلّدا لنصوصهم. إلى أنْ جاءت الحادثة التي غيّرتْ حياتي، وربّ منحةٍ جاءت في شكل محنة، توفي أبي –رحمه الله- وكنت في السادسة عشر من عمري. بعد هذه الحادثة المؤلمة، تفتّقت فعلا قريحتي الشعرية، وكتبتُ أوّل نصوصي الشّعرية الموزونة، وكانت قصيدة سينية على منوال سينية الخنساء. ثمّ توالت القصائد بعد ذلك. بعد أنْ تمرّستُ وتدرّبتُ على البحور. فكنت أدرس البحور الشعرية، وكذا الإيقاع الشعري، الداخلي والخارجي، وكذا فنون الإلقاء.

 من هو الشاعر الحقيق بلقب ملك الشعراء بالنسبة لك سواء في العصور القديمة أو العصر الحديث؟

هذا الأمر يعتمد على الذوق أكثر من اعتماده على التصنيف العلمي الدقيق، بالرغم من أنني لا أؤمن بتفاضل الشعراء، فالشعر شعور، ولكل شاعر طريقة في التعبير عن شعوره، إلا أن أكثر الشعراء الذين تربعوا على مملكة قلبي هو نزار قباني.

لا يخفى على أحد أن الشعر في العالم العربي عموما وفي الجزائر على وجه الخصوص يشهد تراجعا ملحوظا، ماهي الأسباب في رأيك؟ وماهي الحلول لاسترجاع مكانة الشعر العربي التي تمتع بها عبر العصور؟

هذه الحال البائسة التي وصل إليها الشعر في هذا العصر لا تخص الجزائر وحدها، بل تعني الوطن العربي كاملا. فهذا العصر كما يسميه بعضهم عصر السرعة وعصر التقنيات، أصبحت الروحانيات والمشاعر فيه أمورا هامشية، وطغت المادة على مساحة التفكير. وهذا ما أثر على نسبة المقروئية والمطالعة. فعزوف الشباب عن القراءة فضلا عن الكتابة جاء نتيجة للوضع المعيشي الذي تتخبط فيه الكثير من المجتمعات العربية، ولا يمكن اعتبار الانبهار بالغرب سببا في تردي المستوى القرائي والإبداعي لدى الشباب خاصة، لأن البيئة الغربية لم تتنكب، وهي تصل القمر، عن دورها الريادي في المجال الأدبي والفكري والإبداعي. والحل يبدأ من الأسرة ثم المدرسة، يجب بث الوعي في الأسرة وتحفيزها للأبناء على القراءة، فالاهتمام بالأبناء على يتم فقط على مستوى الغذاء واللباس، وإنما يجب إيلاء اهتمام أكبر وأكثر بتنمية العقول، وتحفيزهم على القراءة والكتابة. وحال الشعر من حال القراءة والكتابة.

كيف تقيم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي السريعة على الأدب عامة والشعر خاصة، وبصيغة أخرى هل عادت عليه بالسلب أم بالإيجاب؟

ربما سأخالف رأي الكثر في هذا الجانب، ففي الوقت الذي تنكبت فيه الأسرة والمدرسة عن دورها في تنمية وتحفيز الفعل القرائي والإبداعي لدى الأبناء والشباب، فإن مواقع الواصل الاجتماعي، والفايسبوك خاصة، يشهد الكثير من الأعمال المنشورة، إبداعا أو نقلا واقتباسا ومشاركةً، صفحات كثيرة وحسابات تتفاعل مع قصائد شعرية مشهورة، وتتناقل أخبار الشعراء، حتى الذين لا علاقة لهم بالشعر، إذا مروا ببيت شعري جميل تأثروا به وشاركوه بينهم. هذا على الرغم من بعض الآثار السلبية الجانبية التي لا تخلو منها أي أداة اليوم.

ماذا عن الساحة النقدية للشعر في الجزائر؟

الساحة النقدية في الجزائر، على الرغم من وجود أقلام وأسماء كبيرة يجب احترامها، إلا أن الحضور النقدي في العملية الإبداعية قليل إن لم نقل ضئيل، إذ صار النقد يشكل صراعا بين المبدع والناقد، وكثُر الكتاب المبتدئون الذين لا يتقبلون النقد، ولا يعرضون أعمالهم على نقاد يقيمون أعمالهم، وخلت دور النشر من التقييم الفعلي والعلمي الدقيق للأعمال، وانزوى الحضور النقدي في المجال الأكاديمي الجامعي لا غير.

ما هي أهم المواضيع التي تعالجها من خلال أشعارك وكتاباتك؟ وماهي مكانة المرأة فيها؟

المرأة أنثى كانت أو وطنا أو رمزا، هي سلطانة الإلهام لكل شاعر، لا يمكنه تجاوزها في أي عمل إبداعي، ها هو كعب بن زهير، وهو مهدد بالقتل، يستعطف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بسعاد، ولم تغب المرأة عن الشعر العربي يوما، بل إنني قلتُ في إحدى المناسبات الشعرية: خُلِقَ الشعر ليُكتَب في المرأة. على أنني عالجت الكثير من المواضيع في قصائدي، فهذه هي حال الشاعر، ينقل ما يعيشه ويعايشه.

أي الألوان الأدبية تستحوذ على اهتمامك بعد الشعر، ولماذا؟

بعد الشعر أقرأ الروايات كثيرا، وكذلك النصوص والمقالات، وكل ما هو جميل، فجميع الأجناس الأدبية يجمعها الإبداع والكلمة الجميلة، فالذائقة الأدبية تميل إلى ذلك.

ما هي أهم المسابقات التي شاركت فيها، وهل أثمرت جوائز؟

شاركت في أمسيات شعرية كثيرة، داخل الولاية وخارجها، وشاركت في مسابقات كثيرة، فزت في بعضها بالمركز الأول، منها مسابقة والي ولاية الشلف للأدب والفكر لعددين متتابعين: 2012 و 2013. وشاركت كذلك في مسابقة شاعر الجزائر سنة 2016 على قناة الشروق، وشاركت سنة 2019 بمسابقة شاعر الرسول –صلى الله عليه وسلم- ووصلت إلى النهائي في خامس رتبة.

قمت بطبع ديوانين هما “تراتيل يراع”، و”غيابات الحب”، حدثنا أكثر عن هذه الأعمال، وما هي دور النشر التي تعاملت معها في النشر؟

طبعت أول دواويني الشعرية سنة 2018 بدار الماهر بسطيف. تضم قصائد دينية ووطنية، تعرفت من خلال هذا الديوان على جمهور كبير لم يكن يعرفني، ودخلت به عالم المعارض الدولية للكتاب. ونال هذا الكتاب دراسات جامعية أكاديمية كذلك (مذكرات ماستر). ثم تبعه ديوان آخر سنة 2019 عن دار خيال ببرج بوعريريج جمعت فيه قصائد عن الحب والمرأة. وهو كذلك نال دراسات أكاديمية جامعية، ودخلت به عالم المكتبات والمعارض من جديد. وأشكر دور النشر التي تعاملت معها، لأنها كانت في المستوى وكانت عند وعودها معي. ولم يكن يهمني أن أطبع في أكبر دور النشر، إنما اشتغلت بكتابة الكلمة الجميلة، فالكلمة الجميلة تشق طريقها نحو الناس وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.