ثقافة

مراكز ثقافية بخدمات “قاعة أفراح”!

غيب دورها كإشعاع للتنوير وأضحت نشاطاتها تعد على الأصابع

لما كانت الثقافة قادرة على صناعة رأي عام في المجتمع، من خلال تنوير العقول وترسيخ قيم الهوية ودعم تواصل الموروث المادي واللامادي الذي يعد واجهة المجتمعات التي تفتخر بأصالتها، فانه كان لزاما على المراكز الثقافية بصفتها منبرا للإشعاع الفكري، العلمي، التربوي، الترفيهي، الترويج لشتى معاني الثقافة، وصناعة نخبة تدعم الحفاظ على كنوز متأصلة عن الأجداد وضمان إيصالها وتواصلها عبر الأجيال، غير أن هذه الأدوار الهامة المنوطة بالمراكز الثقافية ضلت مجرد كلام أو حبرا على ورق، فالواقع يبكي عن حال هذه المرافق التي غيب فيها أب الفنون، وقتلت فيها ملكات المطالعة، وابدعات طاقات أجهضت أفكارها بسبب التهميش الممنهج، وطفا واقع يراه المحسوبون عن المثقفين والنخبويين هو الأصح لمجتمع طغت عليه المادية، مجتمع مغلوب عن أمره لا يعرف من الثقافة سوى الغناء والرقص.
قبل وقت ليس بالبعيد كانت المراكز الثقافية، فضاءات يفوح منها عبق الثقافة، بشتى أوجهها، فكان ركح المسرح على مستواها يجمع الصغير والكبير، للترفيه واستلهام دروس الحياة، من خلال أعمال تبث في قوالب امتزجت فيها مختلف المدارس السينمائية، كما كانت المراكز الثقافية بيئة خصبة لصناعة طبقة مثقفة تسهم في تنوير المجتمع، وصناعة رأي عام قوي لا يتأثر بما تلفظه العولمة الهدامة، جلسات أيام الماضي الجميل، التي جمعت الشعراء والأدباء وكبار المفكرين، داخل المراكز الثقافية أضحت مغيبة اليوم تماما، بل وتنظم مرة في شهر أو ربما في سنة، فأصبح الكثير من الشعراء والروائيين يحنون لتلك الأيام، ويبكون أطلال مراكز ثقافية ماتت فيها الثقافة وبقيت دور تقام بها أنشطة مناسباتية تعد على أصابع اليد الواحدة، أنشطة غلب عليها طابع الأفراح أكثر من جوانب صناعة العقول، وتوجهيها لخدمة المجتمع، اليوم ومع تغير نظرة المواطن لمعنى الثقافة، واختزاله في مشاهد لطالما نلحظها في “قاعات الأفراح”، وفي ظل الغزو التكنولوجي ، تحولت المراكز الثقافية إلى فضاءات لإقامة المناسبات الوطنية والدينية فقط، وحتى المواطنون باتوا يحشدون أيها لأغراض لا تمت بصلة الثقافة بشتى مجالاتها، فالعديد من مراكز الثقافة سيما تلك المتمركزة في عمق الولايات، أضحت منبرا لعرض البرامج السياسية في الانتخابات، أو مكان تتجمع فيه شخصيات لطبخ أكلة هدفها سياسي أكثر منه شيء آخر، أو حتى لتنظيم أبواب مفتوحة لهيئات مختلفة، في مقابل ذلك فان بعض المراكز الثقافية الأخرى لا تزال تصارع من اجل دعم دورها الفعال في التثقيف وتنوير العقول، رغم استغلالها من حين لآخر لأغراض موازية، كما أن المواطن يتحمل قسط من مسؤولية الرداءة التي عمت المراكز الثقافية، بل وله يد في اغتصاب دورها، فالمواطن لايقصد هذه المرافق إلا إذا برمجت بها حفلات غنائية أو ماشابه ذلك، بتواطؤ من بعض المسؤولين الذين خططوا لقتل المراكز الثقافية، حين اعتقدوا لوهلة أنها كانت تصنع عقولا وطبقة تراقب نشاطهم، بل وتحرك الرأي العام في قضايا تهمهم، وتخدم مصلحتهم.
الزائر اليوم إلى عديد المراكز الثقافية، يمتعض ويتأسف عن الحال الذي آلت إليه، فبضعها طوقت أبوابها بالأغلال، فأصبحت في طي النسيان، وأخرى لو نطقت قاعاتها، لاشتكت اشتياقها لمعاني الثقافة، وشتى الفنون الركحية، مراكز ثقافية قتلت فيها روح المطالعة، وأصبحت رفوف مكتباتها تنتظر من ينفض الغبار عنها، مراكز ثقافية باتت في خبر كان، طواها الزمان في دواليب أرشيفه، بعد أن تخلى عنها المشرفون عليها، وقبل ذلك الغيورين على كلمة ثقيلة ثقل رسالتها في المجتمع، هيا الثقافة التي تحولت اعرق فضاءاتها إلى منصات لتزكية أشخاص، نشروا معاني أخرى من الثقافة.
أسامة بن الزاوي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق