العمود

مسيرات لاستسقاء السلطة

وجب الكلام

لا زلت أذكر جملة شهيرة تعود المعلمون والأساتذة على ترديدها في كل امتحان من سنوات الابتدائي إلى الطور الثانوي، فقد كان هناك دائما تلاميذ لا علم لهم بما يدور في فلك الدراسة ولا يحضرون بعقولهم سوى في الامتحانات أين يمكثون حتى آخر دقيقة من الوقت المحدد منتظرين فرصة سانحة للغش، وكان المعلمون والأساتذة سامحهم الله أشخاصا مستفزين إذ كانوا يعلمون بأن التلاميذ ينتظرون فرصة لاقتناص ولو جملة واحدة أو تمرينا واحدا فيقولون لهم “اللي قرا قرا بكري” أو “واش راك تستنى الوحي يهبط عليك؟” وكانت هذه العبارات أكثر الجمل التي تعيد التلاميذ إلى واقعهم وتقنعهم بأن لا مجال للنجاح إلا بالاجتهاد والدخول إلى الامتحان بطريقة لا أمل فيها بالنجاح دون اجتهاد.
الحراك الشعبي كان بمثابة امتحان بالنسبة للشعب الجزائري، وكان فرصة حقيقية لأن يوظف الجزائريون كل ما يملكون من أفكار واستراتيجيات واقعية وآليات منطقية للخروج بنتيجة أفضل من التي سرنا إليها الآن، فقد كان من الممكن للشعب أن يتخندق من أجل الوطن ويطرح سبلا في إطار الشرعية الدستورية بعيدا عن العشوائية والانسياق خلف “تجار الحرية وتجار الوطنية”، لكن المؤسف أن الشعب الذي كان بالأمس القريب رافضا للخوض في مواضيع السياسة هو من أراد اليوم أن يجد حلولا سياسية للخروج من الأزمة، فالكثير من الجزائريين الذين يطالبون اليوم بتسليمهم السلطة هم نفس الجزائريين الذين كانوا أبعد الناس عن السياسة، فأذكر أنني وفي كثير من الأحيان عندما ألتقي شخصا وأحادثه في أمور السياسة كان يقول “خلينا من السياسة، الانسان يخدم ويربي اولادو والباقي رب يسهل عليهم” أما آخرون فكانوا يقولون “انا بغيت نزوج وخليها تخلا”، وما أعنيه من خلال هذا الكلام هو أن الكثير من أبناء الشعب الذين يرجون اليوم حلولا للأزمة لم يكونوا بالأمس القريب ينتظرون سوى ما يدخل ضمن أهدافهم وطموحاتهم الشخصية، وعندما حان الوقت لأن يستثمر الشعب وعيه السياسي في إيجاد حلول ملموسة وواقعية للخروج من الأزمة اتضح أن الكثير ممن يخرجون في مسيرات لا يملكون أية فكرة عما يسمى “السياسة” ولا أية فكرة عما يسمى “الدولة” فجسدوا بذلك صورة ذلك التلميذ الذي يقال له “راك تستنى في الوحي”.
ست وثلاثون جمعة، ونفس الروتين في الشوارع، خروج من المساجد، احتلال للشوارع، سب وشتم، رقص وشعارات جوفاء سخيفة، ومناداة بما نادت به أذناب العصابة “مرحلة انتقالية”، فكيف لنفس الطريقة أن تأت بنتائج مختلفة؟ وكيف للآلاف بل حتى لمئات الآلاف من أبناء الشعب أن يحققوا شيئا ملموسا وهم لا يفرقون بين الحراك وبين مسيرات لاستسقاء السلطة، فالحراك الحقيقي هو الذي ترجى فيه حلول منطقية بنية جادة من الشعب للخروج من الأزمة، أما مسيرات الاستسقاء فهي التي يظن فيها الشعب بأن السلطة “كرتون بنان” تطلب بالشعارات ثم يأتي “مالكها” ويوزعها على الشعب “حبة حبة”.
حمزة لعريبي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق