العمود

مشكلتنا واضحة

وجب الكلام

لو نعود إلى أصل المشاكل السياسية في البلاد سنجد أن ما تسبب فيها بالدرجة الأولى وفي تفاقمها وتفشي العفن واستفحال الفساد هو تشتت الجزائريين وتشتت أفكارهم وتبعثر رأيهم، حيث أن أغلب الجزائريين لم يحافظوا على الترابط المتين في علاقاتهم الاجتماعية واتفاقهم على نقطة مشتركة واحدة، فنجد مثلا أن العبارة الشهيرة في التراث الأوراسي “اللي راح كبيرو راح تدبيرو” صحيحة إلى أبعد حد ممكن، فأغلب المناطق والأعراش في الجزائر لم تعد تؤمن بفكرة أن يكون لها “كبير” ، وعندما نقول كلمة كبير فإننا نعني “الوجيه” الذي يحتكم إليه أبناء العرش الواحد أو أبناء القرية الواحدة في أي أمر وفي أية أزمة وعند الحاجة لأي توجيه أو نصيحة كما كان الأمر عليه في الماضي القريب، وكمثال عن هذه المجتمعات نأخذ منطقة الأوراس، والتي أصبحت مشتتة تماما ولم يعد فيها الصغير يحترم الكبير ولم يعد الكبير فيها يؤمن برأي الصغير لا لشيء سوى لأن المساجد قد أفرغت من الأئمة المتطوعين ومن الشيوخ “المصلحين” واستبدلوا بأئمة يعملون فقط من أجل “الشهرية” والذين تسببوا بطاعتهم “للشهرية” وبالتالي للسلطة السياسية قبل الله في كسر الثقة بين المواطن ورجال الدين والإصلاح، وتسببوا بطاعتهم للشهرية والسلطة السياسية في تهديد رمزية المساجد وبيوت الله ووقارها، في حين كانت المساجد في الماضي بيوتا آمن من يدخلها، وكانت بيوت رجال الدين والإصلاح بيوتا مباركة تعتبر مراكز يتم فيها الاحتكام إلى قرار واحد وكلمة واحدة في الأزمات والتي تكون مؤسسة على القيم والمبادئ المستوحاة من الدين الحق، وكان أي قرار أو أية كلمة ينطق بهما “شيوخ الإصلاح” قوانين لا يمكن التعدي عليها.
ما نحتاجه اليوم هو العودة إلى “الوجاهة”، فقد اتضح في هذا الحراك أن لا طريقة أصلح للخروج من الأزمة سوى طريقة “الوجاهة” وهي أن يكون لكل عرش أو لكل قرية أو كل بلدية أو منطقة أو حتى عرش أعيان ووجهاء محترمين ومعروفين بإخلاصهم لله والوطن شرط أن يكونوا بعيدين كل البعد عن أية ولاءات سياسية أو انتماءات حزبية، وأظن أن العشرية السوداء قد قضت فعلا على “الوجاهة” بسبب تشويه صورة رجال الدين وشيوخ الإصلاح من طرف المتاجرين بالدين، لهذا فمشكلتنا باتت واضحة اليوم، وهي أنه ليس لنا “كبار” وليس لنا “وجهاء” بسبب كسر هيبتهم باسم “الإرهاب” والمتاجرة في الدين، لهذا فنحن مشتتون فحتى وإن اتفقنا على “مشروع” فإننا سنختلف في التصميم، وحتى وإن اتفقنا على “طبخة” فإننا سنختلف على “التوابل وطريقة الطهي” وحتى وإن اتفقنا على الوطن فسنختلف في اختيار المخلصين وحتى وإن اتفقنا على الدولة فسنختلف في مواد الدستور، نحن في مشكلة والمشكلة واضحة وحلها يتطلب إعادة الهيبة “للمصلحين” بإلغاء “الإمامة كوظيفة أو كمهنة”.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق