مجتمع

معاناة مريرة خلف قضبان سجن اضطراري

أطـــفال القــــمر ببـــاتنة..

تعيش عديد العائلات في ولاية باتنة معانات حقيقية مع ما يعرف بداء ال “الزيروديرما بيغمنتوزم” أو”جفاف الجلد المصطبغ” وهو مرض وراثي نادر تم اكتشافه لأول مرة عام 1870 من طرف طبيب نمساوي بعدما لفت انتباهه ظهور بقع تميل إلى اللون البني وتشبه النمش إلى حد بعيد على جلود الأطفال، أين حركت هذه الملاحظات غريزة الفضول لدى البروفيسور الذي تابع حالة المصابين ليتضح له أخيرا أن هذه البقع ما هي إلا تمهيد لإصابة هؤلاء الأطفال بتقرحات قاتلة وسرطانات جلدية لا ترحم بسبب تعرضهم لأشعة الشمس.

عائلة السيد بوجلال ببلدية قيقبة بولاية باتنة كانت فريسة لهذا الداء العضال الذي لم يستثنى أحدا من أطفالها الأربعة “صهيب، وعبد الرحمان، وزين الدين، وملاك” براعم في عمر الزهور فتحوا أعينهم على الدنيا ليقابلوا واقعا ينضح مرارة بسبب معاناتهم اليومية مع مرض “جفاف الجلد المصطبغ” الذي يضع حياتهم على المحك، ويرهن طفولتهم البريئة بتطويقها في سجن اضطراري فرضته حتميات المرض الذي حرمهم من الخروج خلال فترة الصباح واللهو مع الأقران أو التمدرس في ظروف عادية خوفا من مغبة التعرض لأشعة الشمس فوق البنفسجية التي تؤدي إلى تفاقم وضعهم الصحي وتهددهم بالإصابة بسرطان الجلد الذي يقضي على حياتهم وهم في ريعان الصبا.
في ذات الشأن أكد الدكتور ابراهيم دهيمي طبيب مختص في الأمراض الجلدية بولاية باتنة أن أطفال القمر يولدون بصحة جيدة من دون أي علامات تشير إلى إصابتهم بهذا المرض الخطير، غير أن أعراض المرض تبدأ في الظهور فور تعرضهم لأشعة الشمس فوق البنفسجية أين يبدأ الوجه في الاحمرار لمدة تتراوح بين 4 و5 أيام مصحوبة بانسلاخ جلدي، فيما تبدأ بقع بيضاء وأخرى بنية في الظهور لتتطور هذه البقع من مرور الشهور إلى سرطان جلدي قد يفضي إلى الموت.

إجراءات علاجية ووقائية جد مكلفة يجب إتباعها..
يضطر “أطفال القمر” إلى التعايش مع واقع مضني يفرضه المرض الذي يستدعي نمطا مغايرا للحياة الاجتماعية للمصابين بالمرض إضافة إلى ميزانية اقتصادية جد مكلفة خاصة بالنسبة للعائلات الفقيرة التي تجد نفسها بين سندان الفقر وضعف المداخيل ومطرقة التكاليف الباهظة للعلاج من المرض والوقاية منه باقتناء ألبسة مصممة خصيصا لمرضى ال”زيروديرما”، وكذا اقتناء النظارات الشمسية والقبعات الواقية والمراهم باهضة الأثمان والتي من شأنها أن تحول دون اختراق أشعة الشمس لجلود المصابين بالمرض وزيادة تأزم أوضاعهم الصحية، خاصة أنه لا مجال لإيقاف التطور السريع لهذا المرض إلا بالعيش في فضاء يخلو تماما من الأشعة فوق البنفسجية.
في سياق ذي صلة أكد الدكتور د. إبراهيم أن من الأسباب الأساسية للإصابة بمرض “جفاف الجلد المصطبغ” تكمن في زواج الأقارب بالدرجة الأولى، كما أن الأعراض المرضية لهذا الداء العضال تنتج جراء فقدان “الحمض النووي الوراثي” لخاصية معالجة الطفرات الناتجة عن اختراق الأشعة فوق البنفسجية للجلد نتيجة غياب أنزيمي “بوليميراز 1 و3″، وتزداد حظوظ الإصابة لدى المواليد من الوالدين الحاملين لمورثة المرض، إذ ترتفع إمكانية الإصابة بسرطان الجلد بمعدل 400 مرة لدى المصابين بهذا الداء مقارنة مع الأشخاص العاديين، ومع تقدم سن المصاب بالمرض صرح ذات لمتحدث بأن أعراضا كثيرة تبدأ بالظهور من بينها تزايد سمك الجلد وتعفنه بشكل مخيف، إضافة إلى إصابته ببقع وتقرحات مختلفة الألوان قبل أن يبدأ الجلد بالتساقط أخيرا في شكل قطع جلدية جافة. فيما تصاحب الحالة أيضا تشوهات والتهابات في العين نتيجة ترقق الجفون وتساقط الرموش، مع ظهور علامات تشير إلى محدودية سنوات العمر لدى المصابين بالداء العضال، حيث يؤكد ذات المصدر أن أمد الحياة التي يعيشها المرضى المصابين بداء “جفاف الجلد المصطبغ” يتفاوت حسب النوع الجيني للمرض، إذ ثمة ثمانية أنواع جينية مكتشفة في العالم حتى الآن أكثرها انتشارا “النوع.ج” الذي يعد أخطرها على الإطلاق، حيث يصل متوسط حياة المصابين به إلى 15 عاما فقط.

حياة اجتماعية قاسية وصعوبة الاندماج في المجتمع تزيد
من وطأة المرض
يعاني “أطفال القمر” حول العالم على غرار الدولة الجزائرية من حياة اجتماعية قاسية تصعب عليهم الاندماج في المجتمع، ابتداء من العزلة التي يفرضها النظام العلاج والوقائي المفروض عليهم اتقاء لأشعة الشمس، الأمر الذي يفرض على هؤلاء نظاما مختلفا للتعايش والتعامل مع الآخرين سواء كان ذلك في الحي أو المدرسة أو أماكن عامة أخرى، أين يشكل التمييز بين هؤلاء وغيرهم من الأطفال الأصحاء عقدة نفسية بالنسبة للمصابين بالداء خاصة أنهم يعاملون معاملة مختلفة مقارنة بأقرانهم، ناهيك عن تعرضهم إلى بعض المضايقات نظرا للتشوه الجسماني الذي يظهر جليا على أجسامهم خاصة في حالة بلوغ المرض درجات متقدمة من حيث ظهور البثور والبقع والتقرحات الجلدية الخطيرة.

إيمان ج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق